⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن هذه مواهب يسوقها الله سبحانه وتعالى إلى من يختاره من خلقه، فالله يصطفي من يشاء لما يشاء، ويحمل من يشاء ما يشاء من مسؤولية الفقه في الدين الذي يؤدي إلى تذكير الناس بدينهم وتبصيرهم به ودعوتهم إليه.
ولا ريب أن هذا الأمر كما قلت إنما هو قبل كل شيء هِبةٌ من الله سبحانه وتعالى، غير أن الناس متفاوتون في استغلال هذه المواهب، فالشاعر يقول:
بجَدٍّ لا بِجَدٍّ من نال مَجْدَهُ وهل جَدٌّ بلا جَدٍّ يُفيدُ بمَجْدِ
الأصل أن هناك «الجَدّ» وهو الحظ الذي يسوقه الله سبحانه وتعالى إلى من يشاء من خلقه، ولكن هذا «الجَدّ» إن لم يكن مع «جِدّ» فإنه بطبيعة الحال يتلاشى، لا يبقى له أثر، من أهمل مواهبه ولم يستغلها ضاعت عليه.
فكم من نجدهم أُوتوا ملكات، آتاهم الله تعالى حِفظاً نادراً، وآتاهم الله سبحانه وتعالى فهماً عميقاً، ولكن مع ذلك يعطلون هذه المواهب التي آتاهم الله سبحانه وتعالى إياها، ولربما كان من هو أقلَّ منهم موهبةً من هذه الناحية أكثر توفيقاً، فنجد منهم من يجدُّ من هؤلاء الذين لم يُعطَوا حظًّا وافراً من الفهم والحفظ، نجد منهم من يجدُّ إلى أن يفوق الذين تقدموه في الحفظ وتقدموا في الفهم.
وهذا أيضاً كما يقول الشاعر:
تمنَّيتَ أن تمسي فقيهاً مناظراً بغير عناءٍ والجنونُ فنونُ
وليس اكتسابُ المال دون مشقةٍ تحمَّلَها فالعلمُ كيف يكونُ
الإنسان يرى أن طالب المال لا يأتيه المال هكذا من غير أن يجدَّ في طلبه، مع أن المال يمكن أن ينتقل من أحد إلى أحد بطرق شتى: يمكن أن ينتقل من شخص إلى شخص آخر بطريقة الإرث، ويمكن أن ينتقل إليه بالإيصاء بحيث يوصي له بجزء من ماله بعد موته، ويمكن أن ينتقل بالهبة، أما العلم فليس بإمكان مورِّثٍ أن يورِّثه وارثَه، إذاً العلم لا يُورث من الآباء والأجداد، وإنما يُحصَّل بالجدِّ.
كما قال الإمام نور الدين السالمي رحمه الله:
لا يرث العلمَ من الأعمامِ ولا يُرى بالليل في المنامِ
لكنه يُحصَّلُ بالتكرارِ والدرسِ بالليلِ وبالنهارِ
لا بد من التكرار والدرس في الليل وفي النهار.
والمال أيضاً قد يَهَبُه الإنسان لآخر، قد يُعطَى الإنسان حظًّا من حيث لا يدري بحيث يأتيه مالٌ من قبل أحد من الناس هِبةً له، بينما العلم لا يمكن أن يُوهَب، وإنما العلم هِبةٌ من الله ويُنال بكثرة الاجتهاد والسعي إليه.
ولا ريب أن مَلَكَة الفقه تحصل لمن طلب هذا العلم من ينابيعه، فالإنسان الذي يطلب العلم، علمَ الشريعة، عليه أن يحرص على أن يمسك بأصول هذا العلم، فقد يجتهد في حفظ الفروع، ولكن مع ذلك تفوته فروع متعددة لأنه لم يضبط أصولها؛ لذلك كانت العناية بأصول الفقه من الأهمية بمكان، لأنها تُورِث الملكة في النفس بحيث يتمكن الإنسان من النظر في الأدلة الشرعية والتمييز بين راجحها ومرجوحها، وذلك مما يؤدي به إلى التمييز بين راجح الأقوال ومرجوحها في المسائل العارضة، وذلك أيضاً مما يمكِّنه إلى استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية التفصيلية.
لأنه ينظر في الأدلة فيميز بين خاصِّها وعامِّها، ومطلقٍ ومقيَّد، ومجملٍ ومبيَّن، وناسخٍ ومنسوخ، وأيضاً مع ذلك يدرس مقاصد الشريعة ليرتب الأولويات بحسب ما تقتضيه هذه المقاصد؛ فهذا أمر لا بد منه لمن طلب الفقه.
أما الفروع فقد يحفظ مسائل متعددة عن فقهاء متعددين، ولكن حظه من هذا الحفظ كما قال الإمام السالمي رحمه الله: لا يتجاوز أن يكون نقلَ ما قاله النبهاء، وروايةَ ما قاله الفقهاء، لا يعرفون غثَّ الأقوال من سمينها، ولا خفيفَ من رزين، لأنهم عطَّلوا جانب الأصول فلم يمسكوا الأصول، ولذلك فاتتهم الفروع.
والله تعالى المستعان.