⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من شراح الحديث من ذكر أن النية تمثل شطر هذا الدين، ومنهم من ذكر أكثر من ذلك، ومنهم من ذكر أقل، وهذا اجتهاد من العلماء، حتى إن منهم من قال بأن النية تمثل الدين كله، وهم يقصدون النية بمفهومها الشرعي، والذي تقدم بأن معناها إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى.
فالذي يتصل بالقلب منها هو هذا الإخلاص؛ أي ابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى من كل ما شرع من مقاصد موافقة لشرع الله عز وجل، ثم هناك عمل لا بد أن يخلص؛ فليست النية في هذا السياق هي مجرد دعوى يدعيها الإنسان قبل أن يعمل أو بعد أن يفعل أو حينما لا يفعل فيدعي أنه كان ناوياً، وإنما مع كون النية أمراً قلبياً لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى الذي يعلم ما في الصدور، لا تخفى عليه خافية جل وعلا، إلا أن العمل يبرهن بعد ذلك صدق دعوى هذا الإنسان إن كان عمله مقترناً بنية صالحة خالصة لوجهه الكريم.
ولذلك تبوأت النية هذه المنزلة في هذا الدين؛ لأنها تمثل الإخلاص لله عز وجل، والإخلاص هو روح العبادة: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، ويقول سبحانه وتعالى أيضاً: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، بعدما بيَّن أن هؤلاء الذين يرفعون هذا الشعار مبرهَن له بجعل كل شعائرهم التعبدية من أمر الصلاة والزكاة والقرابين التي يتقربون بها إلى الله جل وعلا، بل من كل أمور حياتهم وأمور مماتهم مقصوداً بها وجه الله سبحانه وتعالى.
فإن هذه الحقيقة إنما جاءت بعد بيان أن هذا المنهج إنما هو منهج هذا الصراط المستقيم: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، مما يعني أن الدين الذي هو الصراط المستقيم لا يقوم إلا بنية صالحة خالصة لوجه الله الكريم، وهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.
فالذي يورث العبد الأجر والثواب في الآخرة، يبلغه رضوان الله عز وجل وينجيه من عقابه، هو إصلاح العمل وإخلاص النية؛ فلا ينفعه أن يدعي دون أن يسعى إلى العمل، أن يدعي حسن المقصد وسلامة النية دون أن يفعل ودون أن يسعى وأن يهيئ لنفسه من الأسباب ما يترجم به نيته، كما لا ينفعه العمل إن لم يكن مبنياً على أساس من إخلاص النية لله سبحانه وتعالى.
ولهذا هذا المعنى اللطيف نجده في مواضع شتى من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والله تعالى يقول: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ﴾؛ فمع كون العمل نفسه مأموراً به وهو أمر تقديم الأضاحي والهدايا، إلا أن الله عز وجل يبين أنه مع صحة هذا الفعل لا بد من استحضار نية الخشية من الله عز وجل وتقواه جل وعلا حتى يحوز المرء ما أعده الله عز وجل له لعباده المخلصين المتقين.