⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا؛ لأن الحديث لو وقف عند بيان فضل النية دون أن يذكر العمل لكان قبول مثل هذا التأويل سائغاً، لكن الحديث –كل الأحاديث التي وردت في النية– قرنت النية بالعمل؛ حديث «الأعمال بالنيات» أو «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وحديث «نية المؤمن خير من عمله»؛ كل هذه الأحاديث نجد فيها ذكراً للعمل.
لكن قد لا تسعف الظروف الإنسان المسلم في كثير من الأحيان لأن يعمل، فيكون قاصداً ومستصعباً من أن يعمل، وهذا له أجر نيته، وفضل الله تعالى واسع، وهو جل وعلا مطلع على خفاء الصدور، ولم يحل بين هذا وبين العمل إلا ما منعه من العمل خارج إرادته.
ولذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أصحابه الذين تخلفوا بأعذار عن شهود بعض الغزوات معه صلى الله عليه وسلم؛ قال: «إن في المدينة إخواناً لكم ما قطعتم وادياً ولا سرتم سبيلاً إلا كانوا معكم فيه، لكم مثل ما لهم من الأجر والثواب»؛ يشير إلى هؤلاء في غزوة العُسرة الذين جاؤوا يطلبون منه ما يحملهم عليه، فاعتذر إليهم صلى الله عليه وسلم، قال: لا أجد ما أحملكم عليه؛ فهؤلاء مع كونهم لم يتمكنوا من العمل إلا أن صدق نواياهم وسعيهم إلى أن يبذلوا ما يستطيعون حتى يتحقق لهم العمل كان لهم من الأجر مثل أجر إخوانهم الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا فيه ملحظ هذا المعنى، وهو استصحاب النية الطيبة الصالحة، وتذكر ما يحتاج إليه الإنسان مما يورثه الأجر والثواب في كل أحواله، حتى وإن قصُرت يداه عن الفعل، وإن قصرت ملكاته عن تحقيق العمل؛ فإن هذا المعنى ينقل هذا الإنسان إلى فضاء أرحب من الصلة الوثقى بالله سبحانه وتعالى، ومن تحري مواضع الخير، ومن إتيان العمل قدر ما يستطيع، ومن الشعور بالأسف على عدم القدرة على العمل حينما لا يتمكن أو تمنعه الظروف والأحوال من إتيان ذلك العمل.
فهو تزكية للنفس وتهيئة للقلب ودفع لها إلى السعي؛ فهو ليس عذراً يقعد بصاحبه عن طلب معالي الأمور، وعن السعي إلى العمل والكَدْح والجد والاجتهاد، وإنما هو باعث للمسلم يدفعه إلى أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى أن لا يستسلم للظروف والأحوال، بل عليه أن يوجد من الظروف، وأن يتغلب على الأحوال القاهرة حتى يكون من المخلصين العاملين الذين يسعون قدر استطاعتهم إلى تحري مرضاة الله سبحانه وتعالى.