⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم. أما بعد:
فالجواب: نعم، حينما يستصحب المؤمن نوايا حسنة صالحة، فإنه يؤجر على نيته تلك وإن لم يستطع الوفاء بما نواه.
فالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «نية المؤمن خير من عمله»، وما ذاك إلا لأن المؤمن يستصحب فعل الخير وصنائع المعروف وبذل الإحسان، لكن ما في يده قد لا يسعفه على تحقيق ما نواه، ومن أجل ذلك تجد أن نية المؤمن خير من عمله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال في الحديث الآخر: «الأعمال بالنيات» أو «إنما الأعمال بالنيات، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى امرأة ينكحها أو دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه»، فهنا أيضًا نجد أن هذا الحديث يؤكد على أهمية النية في الأعمال التي يأتي بها المسلم، وقد لا يستطيع أن يأتي بالأعمال التي ينويها ويقصدها، ولكن النية تقربه إلى الله عز وجل ويؤجر عليها، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات»، وذكر صنوفًا من الأعمال أن حظ صاحبها يعظم باستصحاب النية الحسنة الصالحة.
نجد أيضًا في حديث آخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا همَّ المؤمن بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وإذا همَّ بحسنة فعمل بها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف»، فهنا يبين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المؤمن يثاب ثوابًا عظيمًا من عند الله تبارك وتعالى بمجرد نيته وهمه، أي أن يعقد العزم على أن يأتي ما نواه متى ما تيسر له ذلك واستطاع إليه سبيلاً.
فلا يكون شأنه شأن المنافقين الذين حكى عنهم ربنا تبارك وتعالى قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 75-77].
هؤلاء –وإن كان حالهم مختلفًا– لأنهم عاهدوا الله، فقدموا العهود المغلظة والأيمان المؤكدة أنهم إن آتاهم الله تبارك وتعالى من فضله سيتصدقون ويفعلون من وجوه البر والإحسان، فابتلاهم الله تبارك وتعالى وآتاهم من فضله، لكنهم بخلوا بما آتاهم، ومنعوا حقوق العباد، ولم يؤدوا حق شكر الله تبارك وتعالى على ما بسط عليهم من نعم، فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه.
هذا فيه وعيد وتنبيه للمؤمن ألا يسلك مسلك هؤلاء المنافقين؛ فهو مطلوب منه أن يستحضر النية الطيبة الصالحة، وأن ينوي النوايا التي هي من أبواب الخير ووجوه الإحسان والمعروف، لكنه إن يسر الله سبحانه وتعالى له فإنه يؤدي، يحقق ما نواه قدر استطاعته وبما يتيسر له.
ولهذا نجد أيضًا حديثًا آخر، وهو عظيم الأهمية في كشف هذا الفضل العظيم من الله تبارك وتعالى، حينما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له أجر ما كان يعمله وهو صحيح مقيم»، ولهذا فإن مداومة العبد على فعل الصالحات، وإتيان أعمال الخير، والاستجابة لأمر الله تبارك وتعالى تنفعه حتى في مرضه وفي سفره الذي لا يتأتى له فيه أن يأتي بما اعتاد عليه من فعل الخير من وجوه القربات إلى الله تبارك وتعالى، «إذا مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر ما كان يعمله وهو صحيح مقيم».
وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم مع أصحابه حينما خرجوا في تبوك، في غزوة العسرة، قال: «إن في المدينة رجالًا ما سلكنا واديًا ولا شعبًا إلا كانوا معنا، ما حبسهم إلا العذر»، فهؤلاء حبسهم العذر، كانوا ينوون ويقصدون أن يكونوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في النفير، لكنهم حبسهم العذر، فها هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبين أنه بصدق نواياهم فإنهم يؤجرون أجر من خرج معه عليه الصلاة والسلام، لا يقطع معه واديًا ولا يسير معه فجًّا إلا كان لمن تخلف بعذر في المدينة مثل ما أصاب هؤلاء من الأجر والثواب.
إذًا ينبغي للمسلم دومًا أن يستصحب نية الخير، وأن يقصد إلى فعل ما يرضي الله تبارك وتعالى، وأن يرجو من نفسه الخير، وأن يتبع ذلك –حينما يتيسر له– بالفعل، وأن يصدق الله تبارك وتعالى في نيته وقصده.
وعلامة ذلك أن يبادر حتى وهو في حالته تلك؛ فإن كان يقصد الصدقات إن منَّ الله عز وجل عليه بالغنى فليتصدق باليسير الآن، وليوطئ نفسه على أن يكون من المتصدقين، فإذا ما منَّ الله عز وجل عليه بالغنى واليسر سهل عليه بعد ذلك أن يجود بهذا المال، وأن يؤدي حقوقه، وأن يشكر الله تبارك وتعالى عليه.
وإذا كان ينوي –إذا كان صحيحًا معافى– أن يدعو إلى الله تبارك وتعالى، وأن يصل رحمه، وأن يجتهد في طلب العلم، فليفعل ذلك الآن قدر ما يتيسر له، ولو بالشيء القليل اليسير، حتى تعتاد نفسه على إنجاز ما يؤمله ويرجوه من نية الخير، فإذا بسط الله عز وجل عليه وجوه الرزق فإنه حينئذ سيجد نفسه تواتيه، توافقه من غير تكلّف في إتيان ما كان قد نواه، فيحوز الفضل والثواب من الله تبارك وتعالى.
وليس عليه أن يجزع حينما لا يتيسر له فعل ما نواه، لأن نيته –كما تقدم في الأدلة الشرعية المتقدمة– كفيلة بفضل الله عز وجل ومنّه وكرمه على عباده أن يثاب عليها.
والله تعالى أعلم.