⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، أن يقتصر على ذلك لا يسوغ له هذا؛ فقد تقدم أن عليه أن يصفِّي نيته لله سبحانه وتعالى، ولا يمنع من تمني كل الخير، وأن يسعى إلى أن يكثر من الصالحات ومما يحبه الله سبحانه وتعالى، لا يمنع من ذلك، بل نجد أن تشريعات هذا الدين تحث المؤمن على أن يوجه نظره صوب معالي الأمور وتطالبه بذلك.
لكن هذا لا يعني أن يكتفي وأن يقتصر على هذه النية، بل عليه أن يسعى إلى تهيئة الظروف والتغلب على الأحوال، والإتيان من الأعمال قدر ما يُتاح له، لا أن يقعد ويتعذر بعدم تهيؤ الظروف والأحوال له.
فكم من راغب في الإنفاق في سبيل الله يتمنى أن ينفق كما ينفق الذين وسع الله عليهم بالرزق فيُؤتى المساكين، وينفق في أوجه الخير وفي مصالح الناس، لكنه يظن أن قرن هذه النية بالعمل يستدعي الكثير من الأموال، ويستدعي أن يكون في حالة من الغنى والسَّعَة، مع أن الإنفاق في سبيل الله لم يُقَيَّد بأن يكون من ذوي الجِدَة والغِنى الفاحش، بل يمكن للإنسان أن ينفق قدر استطاعته ولو بشِقِّ تمرة كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فعليه أن يستقصي من أحوال الناس وأحوال المجتمع ومصالحه ما يمكنه من أن يعين على قضاء هذه المآرب، وعلى أن ينجز ما تمنى؛ لأنه إن لم يفعل ذلك فإنه يُخشى عليه حينما يُؤتَى من فضل الله عز وجل أيضاً أن يستبدَّ به الشح والبخل فلا ينفق، والله عز وجل عاتب هؤلاء حينما قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾؛ فهذا السياق في سياق ذم هؤلاء الذين كانوا يمنُّون أنفسهم الإنفاق، ولكنه لما آتاهم الله عز وجل من فضله بَخِلوا بما آتاهم الله فلم ينفقوا.
وهذا المعنى أيضاً موجود في جملة من المواضع؛ فقد يكون مما يُبْتَلى به صاحب النية أن يَمُنَّ بعد الفعل، وهذه صورة مقابلة لصورة هذا الذي لم تسعفه الظروف والأحوال للفعل؛ هذا أسعفت الظروف والأحوال، لكنه للأسف الشديد أتبع عمله ذلك بالمنِّ والأذى فأبطل أجر عمله، والله عز وجل يحذر من هذا في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾، ويقول: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾؛ وهذا المعنى متصل كثيراً بتطهير النية وإخلاصها لله سبحانه وتعالى مع إصلاح العمل وإتقانه قدر المستطاع.
فضل الله تعالى واسع، وأجره كبير، وهو جل وعلا يكافئ العباد فوق ما ينتظرون حينما يخلصون له العمل ويحسنون فيما يأتون وما يفعلون؛ نجد أن بعض الآيات القرآنية تبين أن أجر الإنفاق في سبيل الله والجهاد في سبيل الله قبل الفتح ليس كأجر الإنفاق والجهاد بعد الفتح، فيُؤْخَذ من هذا أن أجر هؤلاء أعظم، ويؤخذ من أدلة أخرى أن السياق الذي ورد فيه حث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على البذل والإنفاق وعلى إيجاد بدائل تحقق لهم ما يبتغون من أجر لا يعني بالضرورة المِثْلِيَّة التي تعني التساوي، وإنما يعني المِثْلِيَّة في الحصول على الأجر؛ وهذا من نحو ما لما أتى بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم فقالوا له: ذهب أهل الدُّثُور بالأجور، فذكروا له أنهم يصلون كما يصلون ويصومون كما يصومون لكنهم ينفقون، فأرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أوجه من أوجه الصدقات هي في حقيقتها من ذكر الله عز وجل، حينما قال: «بكل تسبيحة صدقة، وبكل تهليلة صدقة»، وقال: «في كل سلامى من الناس صدقة»، وقال: «تُعين الرجل فترفع له متاعاً صدقة»، وقال: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة»؛ فذكر صلى الله عليه وسلم من الأعمال التي إن أداها المرء مع إخلاص النية لله سبحانه وتعالى فإنها لا ريب تورثه الأجر والثواب عند الله سبحانه وتعالى.