⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
استغلاله –أو سوء استغلاله– للوظيفة بالفساد والارتشاء يعكس ضعف الإيمان، ويعكس أن هذا الإنسان، هذا المسلم، لا يتصور حقيقة هذه الحياة الدنيا والمنقلب الذي يؤول إليه، لأن الأصل في المسلم أن يزن كل أعماله بموازين الشرع، وأن يعلم أن بعض الأعمال التي قد لا يحسب لها حسابا قد تُلقي به –والعياذ بالله– في نار جهنم.
فعليه أن يتذكر دوما قول الله عز وجل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، ورسولنا صلى الله عليه وآله وسلم قد حذَّر أشد التحذير من ظاهرة الارتشاء حينما قال: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما»، وهي جملة من المناهي التي نجد فيها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يقطع شأفة الفساد فيها، فلا يقتصر أمر الطرد من رحمة الله عز وجل فيها على المتعاملين بها فقط، بل يمتد ليشمل كل الأطراف، وهي الربا والمعاملات الربوية، والخمر، والرشوة؛ هذه المناهي هي من أعظم المنكرات التي عمَّم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإثم على كل طرف يدخل فيها ولو بسبب يسير.
ولذلك فإن حتى هذا الواسطة الذي يسير بين الراشي والمرتشي داخل في الإثم وداخل في الوعيد حاله حال الراشي والمرتشي.
ولمعالجة هذه الظاهرة لا يكفي النظام القضائي، ولا يكفي الإلزام الخارجي الذي يكون بفعل النظام والقانون، بل لا بد من الالتزام الخُلقي الداخلي الذي يُبْنَى على عقيدة راسخة وحبٍّ لله عز وجل وخشيةٍ منه وتذكرٍ لليوم الآخر.
وهذا الذي دعانا إلى أن نتحدث عن التأصيل الشرعي لمفهوم الوظيفة ومفهوم العمل؛ فإن هذا الذي يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده»؛ هذا المعنى يتعارض تماما مع أكل السُّحْت.
ولهذا نجد في القرآن الكريم أن الله تعالى حينما يأمرنا بالإنفاق يبين لنا مصدر هذا الإنفاق فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]، يقول: "من طيبات ما كسبتم"؛ هذه هي النفقة التي يقبلها الله عز وجل عنده، أما الإنفاق من الخبائث، وبالتالي اكتساب الخبائث بالارتشاء والفساد والظلم والمحسوبية وكل أنواع الفساد والمجاملات والمداهمات، فهي من أكل السُّحْت المحرَّم في هذا الدين.
وبالتالي فإن هذا الإنسان إن كان يعول أسرة فليعلم أنه يطعمهم سُحْتًا، وأنه يأكل سُحْتًا، وأن الله سبحانه وتعالى يُحرِّم بدنه على الجنة، ويقذف به في نار جهنم إن لم يتدارك نفسه بالتوبة قبل الندم وقبل فوات الأوان.
وليعلم كذلك أنه بمثل هذه الأعمال فإنه ينهب ثروات الأمة ويبدد الموارد الطبيعية، فتتكسر لدى قلة قليلة من الناس على حساب فقراء ومساكين ومحتاجين في المجتمعات، وبهذا تهد أركان الأوطان، لأن الفساد ينخرها من الداخل فلا يُكْتَب لها رقي ولا تقَدُّم، حتى وإن بدا ظاهرها تغلفه زخارف براقة، ما دام الداخل فيه خواء، وأنه مبني على فساد، فإن مثل هذه الأوطان سوف تنهار على نفسها.
لا بد أن يُقام عَوَدُ بناء الأوطان على أسس متينة من العدالة والإتقان والإحسان والخلق القويم في كل جوانبها وكل مناحيها.
ولهذا فإن مما ينبغي أن نتذكره في هذا السياق أيضا أن ما يتصل بالفساد يختلف أثره –وكله محرم– لكن أثره يختلف من عمل إلى آخر أو من وظيفة إلى أخرى؛ فالفساد –على سبيل المثال– فيما يتصل بمن سُلِّط على أموال البلاد ليس كفساد من سُلِّط على مسؤولية يسيرة، والفساد في جانب القضاء أو في جانب الطب أو في جانب تعمير المساكن والبيوت يؤدي إلى إزهاق الأرواح وإلى تضييع العدالة.
ولا ريب في التأكيد على نبذ كل أنواع الفساد وسوءها وتحريمها في دين الله عز وجل.
ولهذا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»، وحذر من أن تقع هذه الأمة فيما وقعت فيه الأمم السابقة...