⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هي بلاءٌ وفتنةٌ ومحقٌ، وحيلولةٌ بين الحق وبين أهله.
الرشوة من السُّحت الذي حرَّمه الله تعالى، وقد دلَّ القرآن الكريم على حرمة الرشوة عندما قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188].
فكون الإنسان يعطي ماله للقاضي الذي يقضي بين الناس من أجل أن يتوصل إلى إبطال حق أو إحقاق باطل، أو الحيلولة بين الحق والنفاذ في مُجرِم، أو الحيلولة بين وصول مظلومٍ إلى إنصافه من الظالم، كلُّ ذلك إنما يُعد من الرِّشا.
والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ»، كلٌّ من أولئك ملعون، من شارك في الرشوة بأيِّ شيء كان، سواء دفعها أو أخذها أو توسَّط بين الآخذ والدافع، هو داخل في اللعنة، ويستحق سخط الله تبارك وتعالى؛ لأن اللعنة لا تكون إلا على كبيرةٍ من الكبائر. وحسبنا القرآن الكريم عندما يدلُّ على أن الله سبحانه وتعالى ذكر مَن قبلنا بأنهم كانوا يأكلون السُّحت، لا ريب أنهم كانوا يأخذون الرِّشا، وهذا هو السُّحت.
لأن الرشوة تؤدي إلى إبطال الحق، وسَنِّ سننٍ سيئةٍ لغيره من أجل صَرفه عن الحق، سواء كانت هذه الرشوة تُقدَّم إلى القاضي، أو تُقدَّم إلى الأستاذ الذي يُدرِّس ليرفع درجات بعض الناس فوق بعض، أو تُقدَّم إلى مَن يلي من أمر الناس أيَّ شيءٍ كان، كلُّ من ذلك يُعتبر من الرِّشا المحرَّمة، فهذا من السُّحت.
أو تُعطى أيضاً للشاهد ليشهد بالزور؛ فإن الإنسان مطالبٌ بأن يقول كلمة الحق مهما كان، سواء كان يتعلق بالقريب أو البعيد؛ فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ ﴿وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، وفي المقابل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
العدل هو الذي يصل بالإنسان إلى أن يرتفع في درجات التقوى، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
وعلى أي حال القرآن الكريم ما جاء بالنظريات، وإنما جاء بالتطبيق والعمل، جاء بالمنهج، وقد طبَّقه الرسول صلى الله عليه وسلم، وطبَّقه الخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم؛ عندما كان الخليفة يقف ليواجه ذمِّياً في دعوى بينهما، وبما أن الخليفة ليست عنده بيِّنةٌ يُحكم لصالح الذِّمِّي ضد الخليفة؛ لأن الخليفة أعوزه البيِّنة، مع أنه هو على الحق، نعم، هو على الحق من حيث أصل الدعوى، ولكن من حيث عدم وجود الشهادة التي تدل على تزكية دعواه يُحكم لصالح الذمِّي ضد الخليفة، هذه هي العدالة.
وعلى أي حال، هل الله سبحانه وتعالى أنزل قرآناً يُتلى في الصلوات وفي غيرها، هذا القرآن هو أُسوةٌ لمن يقتدي في أمر العدل بين الناس؟ أنزل الله تعالى قرآناً يُتلى في الصلوات وفي غيرها فيه تبرئةٌ لساحة يهوديٍّ مما أُلصق به من التهمة، عندما وقعت سرقةُ دِرع، ثم خاف أولياء السارق أن ينكشف أمره ويفتضح ويُعاقَب على السرقة، فأرادوا أن يُلصِقوا هذه الدعوى بيهودي، وأخذوا هذه الدِّرع وألقوها في بيت يهودي، وقالوا بأن سارق الدرع هو يهودي، واكتُشفت الدِّرع عنده، وكادت تنزل العقوبة باليهودي، ولكن الله تبارك وتعالى تدارك نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وأنزل قرآناً يُتلى في الصلوات وفي غيرها لتبرئة ساحة ذلك اليهودي، مع أن اليهود أكثر الناس عداوةً للذين آمنوا كما دلَّ على ذلك القرآن الكريم، إلا أن مبدأ العدالة فوق كل شيء.
فقد قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ﴿وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ﴿فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ ﴿لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾ ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 105-113].
والرشوة محرَّمة سواء سُمِّيت رشوةً أو سُمِّيت هديةً أو سُمِّيت كما تُسمَّى بأي طريقةٍ كانت، هي محرَّمة، لا عِبرة بالأسماء، وإنما العبرة بالمعاني، فمهما كان اسمها هي محرمة.
ومن ذلك أن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه قُدِّمت إليه هديةٌ من بعض رعيته، فلم يستحل قبولها، فقيل له: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الهدية، قال: هي في حق الرسول صلى الله عليه وسلم هدية، ولكن هي في مِثلِنا رشوة.
وقد نَظَم هذا الموقف الحميد من هذا الخليفة العادل الإمامِ السالميُّ رحمه الله عندما قال:
عُمَرُ الثاني وهو نجلُ عبدِ العزيزِ قال لا تحلُّ
قد أُهديت له فردَّها إلى من كان أهدَاها وما تقبَّلا
قيل له المختارُ مثلُها قبل قال هديةٌ له حتماً تحلُّ
وإنها في مثلِنا رشاءٌ بردِها طاب له الثناءُ
فمهما كانت، سواء سُمِّيت هديةً أو سُمِّيت كما سُمِّيت، هي محرَّمة، لا تجوز؛ لأنها على أي حال تؤدي إلى التأثير في النفس البشرية، بل ولو لم تؤدِّ إلى التأثير، نفس قبول ما قُصِد به دافعُه الرشوةَ حرامٌ ولا يجوز.
وعلى الذين يتبوَّؤون المناصب أن يُدركوا هذا الأمر.