⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
مما ينبغي أن يُنتَبَه له أولًا هو أن على الإنسان أن يتذكر دائمًا شكر نعمة الله عز وجل عليه، وأن يحذر من أن يقع في جحود النعمة؛ فالله عز وجل يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]، وأمر عباده بالشكر حينما امتنَّ عليهم بالنِّعَم التي أغدقها عليهم، وضرب الله مثلًا قريةً كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، وأمر بأن يتحدث المرء عن نعمة الله عز وجل عليه فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11].
فعلى الإنسان –وهذا مبدأ أصيل– أن يشكر نعمة الله عز وجل عليه، وأن يتذكر هذه النعمة، مع سعيه إلى أن يُحسِّن من عمله، وأن يسعى إلى مزيد من العائد والأجر الذي يحصل عليه، لا حرج في أن يسعى إلى مزيد من الأجر، لكن لا يكون ذلك بتذمُّر، وإنما يكون وفقًا للطرق المشروعة المتاحة.
فإن كان هو محتاجًا إلى أن يؤهل نفسه فعليه أن يؤهل نفسه، وإن كان يعلم أن غيره أحقُّ منه فلا يصح له أن يتذمر، ولا يصح له أن يحسد غيره، يُطهر قلبه من أدواء النفوس، ومن الآفات والعلل التي تبعث في نفسه العداوة والحقد والبغضاء، عليه أن يسعى، لكن ليس له أن يُلحِف في الطلب، أُولئك الذين يتعففون عن المسألة ولا يُلحِفون في الطلب.
وفقًا للطرق المشروعة دون إلحاف، والإلحاف هو مجاوزة الحد في المطالبة بحقٍّ من الحقوق؛ لأن الإلحاف يؤدي إلى تنفير القلوب، والإلحاف يؤدي إلى تضييع الحقوق أصلًا.
فهنا أيضًا –يعني فيما يتصل بأن يصل المرء إلى حد التذمر– سيعود الأثر العكسي السلبي على العامل نفسه، فلا يتمكن من الإنتاج، لا يتمكن من العمل، إن كان يربط بين الأجر الذي يحصل عليه وفقًا لمعاييره هو وبين الجهد الذي يقوم به؛ لأن عادة أغلب الناس في زماننا أنهم يُزكُّون أنفسهم، وأنهم يرون الأعمال البسيطة التي يقومون بها أنها أعمال جليلة تستحق من المكافأة أضعاف ما يحصلون عليه.
ولا ريب للإنسان أن يتمنى وأن يأمل خيرًا، لكن على أن لا يخرجه ذلك عن حدود الاعتدال، بل لا بد –كما قلت– أن يتقيد أولًا بأن يشكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه وأن يُقنع نفسه، ثم أن يسعى إلى المطالبة وإلى التحسين من وضعه وفقًا لما هو متاح، سواء كان ذلك بتأهيل نفسه، أو بالسعي إلى إيجاد النظم والوسائل الكفيلة بتحسين وضع من كان مثله.
ومع ذلك كله فليعلم أيضًا أن بناء الأوطان وتعمير هذه الأرض ونفع الناس وإيصال الخير إليهم لا يُقاس بالمردود المادي الذي يحصل عليه الإنسان؛ كم من رجالٍ بنوا أوطانًا وهم مغمورون لا يعرفهم كثير من الناس، ضحَّوا بجهدهم وأموالهم وعرقهم، بل بدمائهم لأجل بناء أوطانهم، لا يريدون من أحد جزاءً ولا شُكورًا، بل قد تجد أن منهم من تَقسو عليه الأوطان ابتلاءً من الله سبحانه وتعالى، لكن ذلك لا يؤثر في عزيمتهم، ولا في حبهم لبني وطنهم، ولا في سعيهم إلى بناء هذه الأوطان، بل يزدادون عملًا وكفاحًا.
لماذا؟ لأن المفهوم الإيماني، البعد التعبدي الذي تحدثنا عنه في أول الحلقة حاضر عندهم؛ هم يبتغون الجزاء من عند الله سبحانه وتعالى، ولذلك تجد أنهم يقدمون التضحيات ويُؤثِرون المصالح العامة على المصالح الخاصة.
حينما يوجد في المجتمع أمثال هؤلاء حينها يمكن أن تطمئن النفوس إلى أن هذه الأوطان تُبنى بسواعد فتية، وبقلوب راضية، وبنفس مطمئنة، وعندها سوف نثق بأن هذه الأوطان سوف تُعمَّر بالخير والفضيلة، وسوف تُشاد صروح حضارتها على أسس متينة.
هذا كله –حتى لا يُفهَم كلامي أيضًا على غير ما أقول– لا يعني أن على القائمين، على أرباب العمل وأصحاب القرار، أن لا يراجعوا أحوال العاملين عندهم وأحوال الموظفين، وأن لا يسعوا إلى إكرامهم وإلى إعطائهم وتوفية أجورهم بما يستحقون؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عرقه»، وورد في الحديث القدسي: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة»... وذكر –يعني صلى الله عليه وسلم– فيما يرويه عن ربه أن منهم: «من استوفى من الأجير ثم منعه حقه»؛ فهؤلاء هم خصماء لله عز وجل يوم القيامة، نسأل الله تعالى السلامة.