⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذا الذي تشيرون إليه في السؤال هو من الآداب التي يذكرها أهل العلم مما يتصل بشعيرة الحج، وهي تندرج في تعظيم شعائر الله، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
ولذلك فإن استشعار المؤمن لعظم هذه الفريضة التي هي الركن الخامس من أركان هذا الدين الحنيف، وتطلع هذا الراغب في أداء هذه الفريضة إلى التجليات التي يستمدها من أدائه لهذه الشعائر في تلك الأعراس الطيبة المباركة، في هذا الإطار الزمني الشريف الذي أعلى الله سبحانه وتعالى قدره وعظم منزلته بأداء هذه المناسك، تلكم التطلعات والتجليات التي يحرص هذا القاصد الراغب على استمدادها واستلهامها من مثل هذه المواسم الطيبة المباركة، تستدعي منه أن يقوم بإجراءات سابقة يهيئ فيها نفسه.
فيطهر قلبه من العداوات ومن الخصومات ومما عسى أن يكون قد أصاب قلبه من الغل والحسد والحقد نحو إخوانه المؤمنين، يستبرئ ساحتهم ويعتذر إليهم، ويطهر نفسه مما وقع فيه من الذنوب بالتوبة النصوح والاستغفار لله سبحانه وتعالى، وبأداء الحقوق إلى أهلها ورد المظالم، وتوثيق ما لا يدركه من أداء هذه الحقوق في وصية يكتبها.
ومرد ذلك كما قلت إلى كون هذه جميعاً هي من الآداب اللازمة للحاج اللازم عليه أن يتقيد بها، لأن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، ولذلك يقال: حجة الإسلام، لأنها لا تجب لا تكون فريضة إلا مرة واحدة.
ونحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى حينما أودع في هذه الشعيرة ما أودعه من أسرار وحِكَمٍ وأحكام، وحينما بلغ صاحبها ما بلَّغه إياه من المنزلة العظيمة ومن غفران الذنوب ومن قبول توبته وإجابة دعائه، فإنه علق ذلك كله بتقوى هذا المؤدي لهذه الشعيرة؛ فبقدر أخذه بأسباب التقوى تكون حظوته عند الله جل وعلا.
ومن أهم أسباب التقوى أن يؤدي المسلم ما عليه من حقوق معنوية كانت أو مادية، ولهذا فإن عليه أن يسارع إلى أن يعتذر إلى إخوانه، وأن يصل رحمه، وأن يصل من انقطع من رحمه، وأن يبادر إلى توثيق ما عليه من حقوق بل إلى أدائها قدر استطاعته، وأن يبسط أخلاقه للناس، وأن يراجع نفسه حتى يطوي الصحائف السُّود التي كانت في سابق أيامه، ويقبل على الله سبحانه وتعالى فاتحاً صفحة بيضاء ناصعة لكي يكون من المقبولين؛ فالله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وفي معرض حديثه عن الحج قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰۖ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
ولذلك فإن هذا من أسباب التقوى، هذه الآداب التي نتحدث عنها لا ينبغي التفريط فيها، بل الواجب أن يحرص المسلم على أدائها والتزامها والتقيد بها.
وما وصل إليه حال الناس اليوم من سهولة الوصول إلى هذه الأماكن المقدسة وإلى الأعراس الطاهرة، ومن يسر أدائهم لها، ومن قِصر مدة الأيام التي يمكثون هناك ثم يعودون إلى أوطانهم وإلى أهاليهم، لا ينبغي أن يكون صارِفاً لهم عن أداء هذه الحقوق والتزام هذه الآداب، لأنَّها من تقوى الله سبحانه وتعالى، ولأن كل هذه التسهيلات وهذا التيسير لا يؤمِّن حقيقة هذه الحياة، وأن هادم اللذات يمكن أن يفجأ الإنسان في أي لحظة، فيمكن أن ينقله من دار العمل إلى دار الجزاء، يمكن أن يهجم عليه ملك الموت في أي لحظة، ولذلك لا ينبغي له أن يسوِّف أو يؤخر أو يؤجِّل، بل عليه أن يبادر وأن يكون حريصاً على أبواب الخير جميعاً مسابِقاً إليها منافساً فيها، وهذا مما نذكِّر به أنفسنا وننصح به إخواننا وأخواتنا الراغبين في الحج على وجه الخصوص.
وإلا فإن الأصل أن يتهيأ المسلم لتلك اللحظة في كل لحظة وفي كل مكان وزمان، لكنه حينما يعرض عليه سفر أو حينما يرغب في أداء أمر يُشترط فيه التقوى وطهارة النفس، فإن هذه الأحكام تتأكد في حقه، ولذلك لا يسوغ أن يتهاون فيها أو أن يُعرض عنها بالكُلية، بل لا بد أن يحرص عليها قدر المستطاع، والله تعالى أعلم.