⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا تنافي أبداً، بل المطلوب أن يؤدي المسلم هذه العبادة وهو قادرٌ على استحضار خشية الله سبحانه وتعالى، وعلى الخشوع فيها، وعلى استلهام العِبَر والْعِظات والمعاني، وتذكُّر الحكم التي أودعها الله سبحانه وتعالى في مناسك الحج حينما ينتقل بين تلبيةٍ إلى طوافٍ بالبيت إلى سَعْيٍ بين الصفا والمروة، وهكذا يُقال في مناسك الحج؛ فإن عليه أن يكون حاضر القلب، حاضر الذهن، مستشعراً للمعاني الإيمانية الروحية التي أودعها الله سبحانه وتعالى في تلك الأعراس الطاهرة.
وهذا يتطلَّب منه أن يكون مُرتاحاً نفسياً طيِّباً، وهكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لما أتى مُحرِماً، لما وصل إلى ذي طُوَى – كما في رواية ابن عمر في الموطأ وعند غيره أيضاً – فإنه بات فيها صلى الله عليه وسلم، وأصبح واغتسل، ثم ذهب وترك التلبية، ثم ذهب – وذي طُوَى في الحرم – فأدَّى مناسك العمرة صلى الله عليه وآله وسلم، وهكذا الحال في سائر المناسك التي يؤديها المسلم.
وهنا تنبيه: لأن كثيراً من الناس – للأسف الشديد – لا يستشعر معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، لا يستشعر معنى اختصاص هذه الإضافة إلى ياء المتكلم ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ التي تُفيد الملك، تُفيد الاختصاص، أن هذه العبادات هي – قبل أن تكون عباداتٍ مفروضةً واجبةً عليك – هي حقٌّ لك، ينبغي لك أن تشعر بلذَّتها وأن تجد حلاوتها في قلبك؛ لأنها مما تستأثر به في صِلَتك بالله سبحانه وتعالى.
ولذلك جاء هذا التعبير: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾؛ فلا يصح أن يجعل همَّه حينما يدخل في العبادة متى ينتهي؟ وهذا هو الذي يدفع الناس إلى التَّعجُّل ولو كانوا في غاية الإرهاق والتعب والنَّصَب، إلى الرغبة في التخلُّص من الحالة التي هم فيها، وما دَرَوا أنهم في حالة عبادة، وأنهم ما داموا في حال الإحرام فهم مأجورون، وأن عليهم أن يؤدُّوا المناسك التي عليهم في طُمأنينةٍ وهدوءٍ وخشوعٍ وسكون نفس، وهذا لا يتحقق إلا حينما يستشعرون حلاوة كل مَنسَك يقومون به.
ولذلك ينبغي للحاج أن يُبعِد عن نفسه هذا الوسواس الذي ينتابه: متى ينتهي؟ متى يتخلَّص من هذه الحالة؟ فيكون غاية ما يتمنَّاه هو أن يتجرَّد وأن ينتهي من هذه – بأي وجهٍ من الوجوه وبأي طريقةٍ كانت – بل عليه أن يستشعر تجلِّيات تلك العبادة مهما كانت الظروف ومهما كان الزحام من حوله، فيَأنَس إلى نفسه، إلى ربِّه جل وعلا، رغم كل تلك الظروف، ويستشعر روحانية هذه العبادة التي يؤديها.