⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
مع هذه الأحوال التي ذكرها، نعم يجوز أن تُدفع إليهم صدقة الفطر نقدًا.
أما أصل المسألة ففيها خلاف عند أهل العلم، وجماهير العلماء يرون عدم جواز إخراج صدقة الفطر نقدًا، ويستدلون في ذلك بجملة من الأدلة الشرعية؛ منها الأحاديث المتقدمة: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم… صدقة الفطر صاعًا من طعام»، فقد حددها صلى الله عليه وسلم بأن تكون صاعًا من الطعام الذي يمثِّل غالب قوت أهل البلد، وهكذا قصَدَها أن تكون.
والدليل الآخر هو أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «طُهْرَةً للصائم، وطُعْمَةً للمساكين»، فكونها طُعْمَةً للمساكين هذا دليل على أن العلة في تشريعها هو هذا المعنى الملحوظ من هذه الكلمة المشتقة، وهو إطعام المساكين، ويعتضد هذا برواية: «أَغْنُوهُم عن السؤال في هذا اليوم»، وإذ كان سؤال الفقراء والمساكين هو للطعام.
هذه هي مجمل الأدلة التي يُعوَّل عليها جمهور العلماء الذين يرون عدم جواز إخراج القيمة بدل الطعام، وذكروا أن لإسعاف الفقراء بالأموال والنقود أوجهًا أخرى من الزكوات، من زكوات النقدين وعروض التجارة، ومن الصدقات سواء كانت صدقات واجبة أو كانت صدقات نفل.
ولا ريب أن للتشريع حِكَمًا في تنويع ما يُعطى للمستحقين؛ فحيثما وُجِد في شرع الله عز وجل أن المقصود إخراجُ صِنفٍ ما، فلا ريب أن وراء هذا التشريع حكمًا ومقاصد قد نعلمها وقد لا نعلمها، والمسلم عليه أن يُفَوِّض أمره إلى الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
وفي مقابل هذا القول ذهب آخرون – ومنهم الأحناف، ووافقهم أيضًا جملة من علماء المذاهب الأخرى – إلى جواز إخراج القيمة، مستدلين أيضًا بجملة من الأدلة نختصرها في قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103]، فالأصل في تشريع الصدقات أنها تُؤخذ من الأموال، وأيضًا برؤية احتياج الفقراء؛ فإن قوله صلى الله عليه وسلم: «أَغْنُوهُم عن السؤال» يُشْفَع له أن سؤال أولئك في وقته صلى الله عليه وسلم كان للطعام، بينما سؤال الناس اليوم إنما هو للنقود حتى يتمكنوا من التصرف فيها وفق ما شاء الفقير.
كذلك نظروا إلى حديث معاذ في تزكيته لأموال أهل اليمن أو في أخذه لصدقة أهل اليمن، فإنه قال لهم: "ائتوني بعَرْضِ ثيابِكم" بدل البُرِّ والشعير، وفي هذا دليل على أن أخذ البدل جائز، حتى إن الإمام البخاري في صحيحه ترجم لهذا الباب بـ"باب أخذ عَرْضِ الثياب بدل الطعام"، ولذلك فإن بعض شُرَّاح الحديث قالوا: إن الإمام البخاري لم يجد بدًّا من موافقة أبي حنيفة – مع كثرة مخالفته له – إلا أنه لم يدفع هذا الدليل لقوة هذا الدليل.
والخلاصة: أنه لا شيء يعدل التقيُّد بما ورد في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن متى ما وُجِدَت حاجة أو ضرورة، كعدم وجود الفقراء الذين يقبلون الطعام، أو كتكدُّس كميات كبيرة من الطعام عند الفقراء ثم لا يجدون بعد ذلك طريقةً يتصرفون فيها بهذا الطعام بمعاوضات تَجْرِي لهم منافع أخرى، أو وُجِدَت مشقة بالغة في مَن يتولى التوزيع أو في الدافع الذي يعطي في إيصال الطعام إلى مستحقِّيه، أو ظهرت مصلحةٌ لا خلاف حولها في أن منفعة الفقراء متعيِّنة في النقد؛ ففي مثل هذه الظروف لا حرج، يجوز إخراج القيمة.