⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
يعني هذا السؤال يشتمل على أمرين اثنين؛ أما الأمر الأول فهو ما يتصل بالعلماء، بأهل العلم، والشيوخ، وأهل الفضل، وأنا أتفق معك تمامًا أن من الأسباب تقاصُر أهل العلم عن أداء رسالتهم والقيام بوظيفتهم في نشر العلم، وتبصير الناس، وتحصين المجتمعات، ووقايتهم من شرور الفتن ومن شرور أمثال هذه الآفات، واحتواء طلاب العلم بمختلف مشاربهم ومختلف اتجاهاتهم، نعم، هذا من الأسباب لا ريب، وعدم أداء العلماء لأدوارهم في واقع حياة الأمة، وتناولهم لمشكلات الحياة لا ريب سوف يفضي إلى ظهور أصواتٍ تحاول أن تملأ هذا الفراغ، سواء كان ما تملأه به حقًّا أو باطلًا، الحاصل أن تراخي أهل العلم عن أداء واجباتهم ومسؤولياتهم التي حمَّلهم الله تعالى إياها هو من ضمن الأسباب التي تؤدي إلى هذه الظاهرة.
لكن في المقابل – وهو الأمر الثاني الذي يشير إليه سؤالكم – تلقِّي أيضًا طلاب العلم وعموم الناس لما يصدر من علمائهم؛ فلئن كان مسلكهم الذي ينتهجونه إنما هو مبنيًّا على ردود فعل، بسبب موقفٍ لم يجد فيه هذا الإنسان احتفاءً أو تقديرًا أو ما كان يتوقعه من أهل العلم والفضل، فبِئس مسلكُه إذا كان مسلكُ ذلك إنما هو ردَّةُ فعلٍ، إنما هو ردَّةُ فعلٍ لموقفٍ من عالِم أو شيخٍ قصده أو لم يقصده، له حَملٌ على حسن ظن أو لا، له فيه سعةٌ من عذرٍ أو لا، ما مقصدُه من ذلك؟ هل كان منتبهًا أم غير منتبه؟ ما الخطأ الذي وقع فيه الطالب نفسه أم لا؟
ثم حتى مع أسوأ الاحتمالات – أن لو كان الخطأ كلُّه من هذا العالم أو الشيخ – فإن ذلك لا يسوِّغ لأحد أن يسلك مسلكًا يتصف فيه بما يسخط الله سبحانه وتعالى، ونحن نتحدث عن موضوع التعالم، أو ادعاء العلم، أو التشبع من الإنسان بما ليس معه.
ولذلك فإن هنا لا بد من إرساء حقيقةٍ غاية في الأهمية، وهي: أن مسلك هذا الإنسان – مسلك الإنسان أيًّا كان – طالما أنه مكلَّف بالتكاليف الشرعية، لا بد أن ينهض وأن يقوم على أسس متينة من ما يرضي الله سبحانه وتعالى، من حيث الغاية والمقصد، وهو ابتغاء رضوان الله سبحانه وتعالى والنجاة في الآخرة، ومن حيث الوسيلة التي يسلكها هذا الإنسان؛ فإنه لا بد له دومًا أن يُمحِّص قصده، وأن يراقب قلبه من أن تستبدّ به الوساوس أو حظوظ النفس، فتخرجه عما يرضي الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يوم القيامة سوف يقف بين يدي الله تبارك وتعالى، وسوف يُسأل عما قدَّم من قولٍ أو فعل.
ولذلك فإن على طالب العلم وعلى كل أحد أن يتذكر دائمًا أن الله تبارك وتعالى سائله، وأنه سوف يقف بين يديه، والله عز وجل يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ، يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ، وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: 13-16]، فلذلك لا بد أن يتذكر هذا المنقلب الذي سوف ينقلب إليه.
والله سبحانه وتعالى يحذِّر – حتى فيما يتصل بهذه الآفات التي كنا نتحدث عنها من آفات القلوب، الذي دفع ببعض هؤلاء إلى هذا المسلك، مسلك التظاهر أو مسلك مُناكفة أهل العلم، ومباهاة العلماء ومماراة السفهاء – هذه الحظوظ النفسية، هذه الأدواء القلبية، نجد في المقابل أن الله سبحانه وتعالى يبيّن أن النجاة في الآخرة لا تكون إلا لمن طهَّر قلبه، وزكَّى نفسه من مثل هذه الأدواء، حينما يقول: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].
فتطهير القلب وتزكية النفس من مثل هذه الأدواء – حتى من أدواء الثأر أو الانتقام، أو التكدير، أو إحداث شرخٍ في وحدة المجتمع – يتحمل وِزْرَها الفاعل نفسه.