مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

أسباب ظهور التعالم

ما الأسباب التي أدت إلى بروز ظاهرة التعالم في العالم الإسلامي على الرغم من توفر النصوص والمعارف الشرعية؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا ريب أن القضية تحتاج إلى كثير من البحث؛ إذ قد توجد عوامل في وقتٍ من الأوقات هي أكثر ظهورًا منها عما كانت عليه في وقتٍ آخر، لكن إجمالًا – بتتبُّع أيضًا جملة من النصوص الشرعية – سوف نجد أن هناك أسبابًا رئيسة أدّت إلى تنامي مثل هذه الظاهرة. أما السبب الأول – لا سيما فيما يتصل بالعلوم الشرعية وبمختلف أنواع العلوم – فالسبب الأول هو حالة الانفصال بين العلم والعمل؛ فترك العمل بالعلم أدّى إلى أن يدّعي الناس العلم؛ لأنه لا يكلفهم عملًا، لأن الناس ألِفوا – للأسف الشديد – من جملة من أهل العلم أنهم لا يعملون بما يعلمون، فترك العمل هو من أقوى الأسباب التي أدّت إلى ظهور هذه الظاهرة. وهذا أيضًا ما نجده في كتاب الله عز وجل؛ فالله تعالى حينما قال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ، فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا، وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: 175-176]… ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ بيانٌ للسبب الذي أدى بهذا الذي آتاه الله تعالى العلم إلى أن يصل إلى ما وصل إليه، حتى إن الله تعالى شبَّهه بقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: 176]. والانسلاخ هو ترك العمل بالعلم، هكذا قرر أهل العلم، واللغة تُسعِف هذا المعنى بوضوح وجلاء، كما تنسلخ الحية من جلدها، فكذا الحال بالنسبة لهذا الذي آتاه الله تعالى العلم، لكنه لم يعمل بمقتضيات الهداية والصلاح والتقوى، والصلة الوثيقة بالله تبارك وتعالى، والوقوف عند حدوده، فانسلخ من ذلك العلم، وصار علمه علمًا نظريًّا لا واقع له في نفسه ولا تطبيق له عنده، ولذلك كانت العاقبة أن الله سبحانه وتعالى بيّن أنه أمسى من الفاسدين المفسدين الضالين المضلين – عياذًا بالله – ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، والغاوي: أي أن الغواية أصابته في نفسه، كما أنه صار سببًا لغواية غيره، فهو فاسد ومفسِد، ضال ومضِل – عياذًا بالله. ثم يبيّن الله تبارك وتعالى أن ترك العمل بأنوار العلم الذي أكرمه الله تعالى به أدّى به إلى تمكن الشيطان منه: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾… فبعث فيه الوساوس والآفات القلبية من الكِبر والغرور والحسد والحقد والاغترار بما عنده… وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ويلٌ لمن لم يعلم مرة، وويلٌ لمن علم ولم يعمل مرتين»؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على من لم يعلم، على الجاهل، بالويل مرة، وعلى العالم المنتهك لمحارم الله عز وجل دعا عليه بالويل مرتين – والعياذ بالله – والسبب في ذلك هو ترك العمل مع قيام الحجة عليه، مع أنه أمسك بطرف نور الله تبارك وتعالى الذي يتحصّل من أنوار العلم. أما السبب الآخر الذي يمكن أن يبعث ذوي النفوس الضعيفة إلى التعالم والتشبّع بما لم يُؤتَوا، فهي جملة من الأدواء القلبية، هذه الأمراض والآفات التي تصيب القلوب فلا ينتبه لها الإنسان؛ لأنها تكون من ألدّ أعداء الإنسان، لكنها من أحب أعدائه إليه، من نفسه التي بين جنبيه. وقد ذكرت جملة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأدواء، حينما قال عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: «من تعلم العلم ليُباهي به العلماء، أو ليُماري به السفهاء، لقي الله يوم القيامة وهو خائبٌ من الحسنات»، وفي روايةٍ – وحسَّنها جملةٌ من المحدِّثين – زيادة: «من تعلم العلم ليُباهي به العلماء، أو ليُماري به السفهاء، أو ليصرف إليه وجوه الناس، لقي الله يوم القيامة وهو خائب من الحسنات»، وفي رواية: «حرَّم الله عليه الجنة». فهنا جملة من الآفات التي ذكرها هذا الحديث الشريف: المباهاة – والبهاء يعني الاغترار والافتخار بما ليس عند الإنسان – والمِماراة، وهي تعني المجادلة بالباطل، حب السُّمعة والشهرة والظهور التي أشارت إليها الزيادة في الرواية الأخرى. هذه أدواء قلبية تصيب القلوب، فتدفع بصاحبها إلى أن يتمكن منه حب ادعاء العلم، وحب الظهور بالعلم مع أنه ليس كذلك. ونجد في حديثٍ آخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا، لما ذكر حديث الكبر: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر»، فقالوا: يا رسول الله، الرجل فينا يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «الكِبر بَطر الحق وغَمْط الناس»؛ فالكبر هو من أشد الآفات التي تتمكن من قلب هذا الإنسان، فإذا بها تُخرجه عن حدود التواضع لله تبارك وتعالى، وشكر نعم الله عز وجل عليه، والرضا بما قسمه له ربه جل وعلا، وبذلك الكبر يؤول حاله إلى أن يغمط الناس حقوقهم، وإلى أن يتكبر عليهم، فيُبطِل قبول الحق منهم، لأنه لا يرى غيره أهلًا لأن ينصحه، أو لكي يُسدي إليه كلمة خير، لأنه يرى غيره أصغر منه، يرى غيره أقل منه شأنًا ومنزلة، ولذلك فإنه لا يقبل منه نصحًا، وإذا به يتعاظم ويغتر، فلا يقبل نصحًا، ويؤول حاله إلى أن يغشى قلبه الران، فلا تنفذ إلى قلبه هداية، ولا يسمع ولا يقبل نصيحة من أحد. من ضمن الأسباب أيضًا التي يمكن أن تُذكر في هذا السياق – نحن تحدثنا عن ترك العمل، تحدثنا عن آفات قلبية وذكرنا نماذج لها – هناك سببٌ آخر يتصل بواقعنا المعاصر اليوم، وهو: التقليد، المحاكاة؛ فللأسف الشديد مع ضعف ما نعرفه نحن اليوم من ضعف الشخصيات، ضعف الاعتزاز بالانتساب إلى هذا الدين القويم، وبالامتثال لأوامر الله تبارك وتعالى، فإن الحال يؤول إلى أن يتلمّس بعض ضعاف النفوس وضعاف الإيمان قدواتٍ يُؤْسَى بهم، فإذا بهم يَسْرون بهؤلاء الذين يدّعون ما ليس عندهم؛ فيتعالم، ويتشبّع بما ليس معهم، فتسري في المجتمع آفة التقليد الأعمى – للأسف الشديد – ويظنّون أن ذلك من مقتضيات الحضارة، ومن مقتضيات الدلالة على الثقافة، وعلى العلم، وعلى المعرفة؛ فالتقليد الأعمى هو من الآفات، من الأسباب الواضحة التأثير في تحقق آفة التعالم في واقع حياة الناس.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٥‏/٧‏/٢٠١٣👁 2 مشاهدة
🎬

فقه التعلم وادعاء التعالم - د.كهلان الخروصي 16 رمضان 1434 هـ HD

الحديث الشريفالعقيدة

✦ فتاوى مشابهة

معنى التعالم وحقيقته

2 👁

ما المقصود بالتعالم من الناحية اللغوية والشرعية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٥‏/٧‏/٢٠١٣

انتشار التعالم قديماً وحديثاً

2 👁

هل أصبحت ظاهرة التعالم في عصرنا الحاضر أكثر انتشاراً وخطورة مما كانت عليه في العصور السابقة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٥‏/٧‏/٢٠١٣

مجالات ظاهرة التعالم

2 👁

هل يختص التعالم بالمجال الشرعي فقط أم يشمل سائر العلوم والمجالات الحياتية؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٥‏/٧‏/٢٠١٣

نصوص تحذر من التعالم

2 👁

هل توجد نصوص شرعية مفصلة تحكم موضوع التعالم وادعاء العلم بغير علم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٥‏/٧‏/٢٠١٣

دور العلماء وتعامل الطلبة

2 👁

هل يُعد تقصير بعض أهل العلم في احتواء طلبة العلم سبباً وجيهاً لردود أفعال الطلبة وخروج بعضهم إلى مسلك التعالم ومناكفة العلماء؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٥‏/٧‏/٢٠١٣

سبب استمرار البدع التعبدية

2 👁

لماذا يواصل الناس أداء العبادات المبتدعة مثل صلاة الرغائب ولا يستجيبون لبيان العلماء بعدم مشروعيتها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠