⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الداعية عليه أن يخاطب كلَّ قوم بلسانهم، ومعنى ذلك: عليه أن يخاطب كلَّ مجتمع بلسانه، وكلَّ عصر بلسانه. الأمور تختلف بين عصر وآخر؛ مفاهيم تظهر ومفاهيم تختفي، وأمور تطفو على السطح وأمور تغوص في الأعماق، فإذا الداعية عليه أن يكون بصيرا بأحوال الناس، قادرا على إقناعهم وإيصال الحقيقة إليهم، فهكذا يتغير الأسلوب ويتغير الحديث.
الناس أبناء بيئتهم، كل أحد إنما يتحدث من منطلق بيئته، فمن جاء إلى بيئة بدائية لا يمكن أن يتحدث إليهم بحسب ما يتحدث إلى القوم المثقفين، إلى القوم ذوي الخبرات الواسعة، الرجل البدائي لا يُخاطَب مثل ما يُخاطَب العالم الجامع لعلوم المعقول والمنقول، وكذلك بالنسبة إلى العلوم الدنيوية؛ الشخص البدائي لا يُخاطَب بما يُخاطَب به الفلكي الخبير الماهر بأمور الفلك، أو الطبيب المتخصص في الطب، العميق في تخصصه، أو المهندس الخبير، كل واحد يُخاطَب بأسلوبه.
والناس دائما كما قلت أبناء بيئتهم؛ كما يُقال بأن علي بن الجهم مدح أحد حكام بني العباس بعدما وفد إليه فاستنكر الناس مدحه، لماذا؟ لأن مدحه كان ناشئا عن تفكيره الذي هو ناشئ عن بيئته، قال له:
أنت كالكلب في وفائك للعهـ ـــدِ
وكالتيس في قراع الخطوبِ
أنت كالدلو لا عدمتك دلواً
من كبار الدلاء عظيم الذنوبِ
فاستغرب الناس هذا المدح؛ كيف يقال في الحاكم الذي يسمونه خليفة المسلمين مثل هذا؟ يشبه بالكلب ويشبه بالتيس ويشبه بالدلو! فرد عليهم الحاكم العباسي قال: ماذا عسى أن يقول، لأنه ابن هذه البيئة، هو ألف وفاء الكلب، وهو ألف قرع التيس، وألف أيضا أي منافع الدلو، فلذلك شَبَّه بما عرفه.
لكن دعوه ينتقل إلى بيئة غير هذه البيئة، فدعاه إلى البقاء عندهم، وبقي فترة في بغداد، فكانت أول قصيدة قالها ابتدأها بقوله:
عيونُ المها بين الرُّصافةِ والجِسرِ
جَلَبْنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري
فرد عليهم الحاكم العباسي بأن هكذا تغير الرجل، لأن البيئة غيرت، فإذا هذا الداعية الذي يأتي إلى قوم من أمثال علي بن الجهم في بداوته عندما كان على وضعه السابق، عندما يأتي إلى قوم بدائيين لا يعرفون إلا هذا المحيط البدوي بما فيه من عادات وما فيه، لا يمكن أن يخاطبهم خطاب المثقفين، ولكن أيضا إذا انتقل إلى المثقفين، إذا انتقل إلى ذوي الخبرات، عليه ألا يخاطبهم خطاب العوام، عليه أن يخاطبهم خطاب من خبر حالهم وعرف أمرهم.
وهذا يدخل في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]، فالله سبحانه وتعالى أرسل كل رسول بلسان قومه، واللسان لا ينحصر في مجرد اللغة، أيضا الاصطلاحات الجديدة، وأيضا الأعراف الموجودة عند الناس، فالإنسان ابن بيئته، ولذلك يختلف الخطاب بين عصر وآخر.
أيضا بالنسبة إلى خطاب العموم في العصور؛ العصر الذي كان الناس يركبون فيه الناقة والحمار ليس هو كالعصر الذي يركبون فيه الطائرة وينتقلون من ديار شاسعة إلى ديار شاسعة جدا عنها، إنما كل عصر له خطابه.