⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، لا ريب أن الأمة المسلمة مطالبة بأن تأخذ بالأسباب، ولكن لا تعول على الأسباب، وإنما تعول على مسبب الأسباب، فإن الأسباب - كما قلت - لا تفضي إلى مسبباتها إلا عندما يريد ذلك مسبب الأسباب، وإلا فالأسباب هي ميتة جامدة، لا حراك لها، لا تغني شيئًا إلا عندما يريد الله سبحانه وتعالى أن تنفذ في المسببات كما اقتضت مشيئته.
ولكن مع هذا جعل الله سبحانه وتعالى الأخذ بالأسباب من جملة العبادات، من ذلك أن الإنسان لا ينتظر أن يأتيه النصر بين عشية وضحاها حتى يأخذ بأسباب النصر، ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بأن يعدوا العدة للنصر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.
الله تعالى يقول في محكم كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فأخذ الأسباب من جملة العبادات.
كذلك الإنسان لا يمكن أن يرجو أن يرزقه الله تعالى ولدًا هكذا بين عشية وضحاها، من غير أن تكون هنالك أسباب للولد، لا بد من زواج، ثم مع ذلك تكون معاشرة زوجية ما بين الزوجين يترتب عليها وجود الولد.
كذلك بالنسبة إلى طلب المال، إنما يُطلب بأسبابه، ولذلك أمر الله تعالى أن يؤخذ بهذه الأسباب، أمر بالمشي في الأرض، والضرب في مناكبها، كذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ويقول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، هذا كله مما يدلنا على أن الأخذ بالأسباب عندما يكون على النهج الصحيح، مع تحري الحلال دون الحرام، يكون ذلك من جملة العبادات التي أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نعبده بها.
ولكن هذا لا يعني أن يلتفت الإنسان إلى الأسباب وحدها، وأن لا يلتفت إلى مسبب الأسباب، لا بد من أن يعلم أن وراء هذه الأسباب مسببًا.
وكم من الناس لا توجد عندهم أية عِلَّة تمنعهم من النسل والولادة، تكون المرأة صحيحة، ويكون الرجل صحيحًا، ولكن مع ذلك يُحرمون من الذرية، وقد تتزوج المرأة بعد أن تُطلَّق من هذا الرجل، بعد أن يطلق هذا الرجل، بزوجٍ آخر فيرزقها الله الذرية، ويتزوج الرجل بامرأة أخرى ويرزقه الله الذرية، كل ذلك دليل على أن الأسباب بنفسها لا تكفي لأن تؤدي إلى المسببات ما لم يكن هنالك قدر من الله سبحانه وتعالى بنجاح هذه الأسباب وأدائها إلى المسببات.
وكم من أحد يلتمس المال بكافة الطرق المشروعة، وهو مع ذلك مجتهد في طلب المال، ولكن لا يصل إلى مبتغاه من ذلك، وكم من أحد يجتهد في طلب العلم أيضًا، ولا يصل إلى مبتغاه من العلم، كل ذلك دليل على أن الأسباب بنفسها ليست كافية لأن تؤدي إلى المسببات إلا عندما يشاء الله سبحانه وتعالى.
وعلى الناس دائمًا أن يأخذوا بأسباب الخير، الأمة المسلمة مطالبة بأن تأخذ بأسباب الرقي وأسباب التقدم في الحياة، بحيث تتعلم، وتجتهد في الابتكارات وفي الصنائع، وفي كل ما يؤدي إلى نهوضها ورقيها، هذا من مطالب الإسلام بالنسبة إلى أمة الإسلام.
الله سبحانه وتعالى يمتن على العباد بأنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا، وأنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، ومعنى ذلك أن كل ما يمكن أن ينتفع به الإنسان مما هو موجود في هذا الكون، فعلى الإنسان أن يحرص على الانتفاع به.
كذلك على الأمة المسلمة أن تتقي أسباب انحطاطها وأسباب ضعفها، ولذلك الاختلاف والتنازع والفشل، فإن الله تعالى يحذر من ذلك، ويبين أن هذا مما يؤدي إلى الضعف، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
كذلك من جملة أسباب رقي الأمة أن تكون جهودها منظمة ومرتبة، حتى يبني اللاحق على الأساس الذي أسسه السابق، وأن تكون الجهود في الوقت الواحد، في الأمة الواحدة المتعاصرة، جهودًا منسقة بحيث يكون بينها التكامل في البناء، هذا كله مما يؤدي إلى رقي الأمة ويؤدي إلى نهوضها.
فالأمة مطالبة بهذا، ومطالبة بأن تعرف كيف ارتقت الأمم، وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه، وتجاوزت المحن وتجاوزت العراقيل، فعليها أن تأخذ بهذه الأسباب، ولكن مع هذا لا تبقى متقوقعة محبوسة في مضيق المادة الضيق المظلم، وإنما عليها أن تخرج إلى فسيح ملكوت الله سبحانه وتعالى، بحيث ترى صنع الله تعالى يتجلى في كل شيء.