⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فكل ما يأتي من الله سبحانه وتعالى خير، والإنسان تتعاقب عليه أحوال جمة، فهو يتذبذب بين الصحة والمرض، وبين العافية والبلاء، وبين الرخاء والشدة، وبين اليسر والعسر، وبين الرقي والانحطاط، وبين القوة والضعف، بل الإنسان يتطور في هذه الحياة من ضعف بالغ إلى قوة نامية ثم يأخذ في الانحدار شيئًا فشيئًا بعدما تتكامل قوته حتى يعود كما كان في الضعف.
فالله تعالى هو يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: 54]، وهذا كله لحكمة بالغة، فإن من طبيعة الإنسان أن تطغى المؤثرات التي ترتفع به في هذه الحياة، فعندما يكون قوي الجسم، صحيح البنية، ذا يسر، قادرًا على التصرف في مطالبه وحاجاته، تتيسر له الأمور من حوله؛ لا ريب أنه في هذه الحالة ينسى الدار الآخرة، ويكون ركونه إلى هذه الحياة الدنيا، وهذه هي الكارثة العظيمة، فإن الله سبحانه وتعالى حذر من الركون إلى الدنيا وإيثارها على الدار الآخرة في آيات شتى، كما في قوله عز من قائل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]، ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: 18-19]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 37-41].
فإذا كان الخير الذي ينساق إلى الإنسان في هذه الدنيا، والنعيم الذي ينساب إلى الإنسان في هذه الدنيا، يجره إلى الركون إلى هذه الدار، إلى دار الفناء، وينسيه الدار الآخرة؛ فلا ريب أن كل ما يصيبه من شدة، ويصيبه من ضعف، ويصيبه من مرض، ويصيبه من عسر، إنما هو تذكير له ليتعلق بالدار الآخرة، الدار الآخرة التي لا يهدد شيءٌ منها بنقيضه؛ فلا حياتها تهدد بموت، ولا صحتها تهدد بسقم، ولا يسرها يهدد بعسر، ولا غناها يهدد بفقر، ولا قوتها تهدد بضعف، ولا راحتها تهدد بتعب، وهكذا، إنما الدار الآخرة هي دار الراحة، دار نعيم.
فالإنسان وهو يتقلب في هذه الحياة الدنيا بين أحوال متناقضة، كلٌّ من ذلك يذكره بالدار الآخرة، ثم الإنسان قد يُؤتى من قِبل عمله، إذ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]، على هذا على الإنسان أن يستذكر عندما يمرض، أو عندما يفتقر، أو عندما تمرُّ به شدة، أو عندما ينقلب من قوة إلى ضعف؛ فإن كل ذلك مما يذكره بما يجب أن يقوم به من الحق لله سبحانه وتعالى، حتى يكون الإنسان توابًا أوابًا، فإن الله سبحانه وعد مغفرته للأوابين عندما قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25].
وعلى هذا ففي كل من هذا خير، وإنما على الإنسان أن يستغل هذا الخير برجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وقد يكون -كما تفضلتم- في المرض تذكيرٌ للإنسان بتقصيره فيما بينه وبين ربه، أو تنبيهٌ له من غفلته حتى يستيقظ ويعود، ويعلم ضعفه، ويعلم افتقاره إلى الله، ويعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الغني، وأن كل ما يأتيه من قِبل الله سبحانه وتعالى من خير، وليعلم مقدار نعم الله تعالى عليه؛ فإن الذي يعيش في النعيم دائمًا لا يعرف مقدار هذه النعمة، أما من كابد لأواء البؤس، وشدة التعب، فإنه يعرف مقدار قيمة الراحة، ومقدار قيمة النعيم، وكذلك الذي يمرض يعرف قيمة الصحة؛ فإن الصحة كما قيل: تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.