⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، الإخراج هنا بمعنى الإيجاد والإظهار، فالله سبحانه وتعالى بعث هذه الأمة لكي تكون خير الأمم، ولكي تكون أمة فضلًا بما أكرمها به من تشريع وعقيدة وأخلاق ومعجزة خالدة، بعثها الله سبحانه وتعالى لكي تكون حجة على باقي الأمم وعلى سائر الناس، ولكي تكون دعوتها باقية إلى أن تقوم الساعة، شهيدة على الأمم، حجة عليها، بل حجة حتى على أنفسها. هذا هو معنى الإخراج، فالله سبحانه وتعالى هو المخرج، هو الموجد، هو الذي أكرم هذه الأمة بما أكرمها به.
لكن اللافت للنظر هو ما تقدم هذه الآية الكريمة في نفس السياق القرآني من سورة آل عمران، فالله سبحانه وتعالى يأمر عباده بجملة من الأوامر، وكأنها مقدمات تمهِّد لكي تُوصَف هذه الأمة بهذا الوصف، وبالتالي فبمحافظتها على تلك المقدمات بعد فهمها الفهم الواعي الصحيح، وبمحافظتها على الأركان التي تقوم بها هذه الخيرية، وهي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله، تتحقق لها دومًا خيريتها.
لكن لا بد أن تُفهم أولًا كما قلت: المقدمات أو الممهِّدات أو الوسائل التي استأهلت بها هذه المنزلة العظيمة الشريفة؛ فالله تعالى يخاطب عباده بقوله في نفس السياق القرآني قبل هذه الآية، بقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]؛ إذًا أمرٌ بالتقوى، وهي جماع الخير كله، وهي عنوان الفضيلة، وأساس كل خير، وجماع كل فضيلة يمكن أن ترتقي بهذا الإنسان إلى القبول والرضوان عند الله تعالى في الآخرة، وأمرٌ بالتقوى، وأمرٌ بمداومة المحافظة على الاستسلام لله عز وجل: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
وبالتالي هذا أمر بالمداومة على المحافظة على هذا الدين الذي أكرم الله تعالى به هذه الأمة، وارتضاه لها دينًا خاتمًا، تأرز إليه وتعود إليه في سائر شؤون حياتها.
ثم بعد هذه الأوامر التي يمكن أن نصفها بأنها أوامر دينية يأتي: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا، أمرٌ لمجموع المؤمنين بالاعتصام بحبل الله المتين، وبعدم التفرق، وبالاستمساك بكل ما يؤدي إلى أُلْفة قلوبهم، وإلى المودة والرحمة فيما بينهم، مما يحقق لهم عزتهم وقوتهم وكرامتهم في هذه الحياة الدنيا؛ لأن في ذلك حفظًا لما أُكرموا به من الأمر بالتقوى، والمداومة على الاستمرار على الاستسلام لأمر الله عز وجل.
فإذا جمع لهم ما يتصل بأمر دينهم وما يتصل بأمر دنياهم مما يتصل بالاعتصام بحبل الله عز وجل، وتوحيد الكلمة، وعدم التفرق، والأخذ بكل أسباب الأُلْفة فيما بينهم التي هي منة من الله سبحانه وتعالى عليهم، بحيث لا يفرِّطوا في هذه العوامل قِيد أنملة، ثم مع ذلك أيضًا نجد هذا التذكير: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]، ثم يحذرهم من أن يقعوا فيما وقعت فيه الأمم السابقة: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105]، ويأمرهم مرة أخرى قبل وصفهم بالخيرية وبيان أركان قيام الخيرية واستمرارها، يقول لهم: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104].
إذًا من أسباب ومقدمات خيرية هذه الأمة هي كل هذه الصفات التي إن أخذ بها المسلمون اليوم: من الاستمساك بحبل الله المتين، ومن السعي إلى الاتحاد فيما بينهم، ومن نبذ أسباب الفرقة والعصبية، وما يشتت الكلمة، وما يفرق بين صفِّ المسلمين، والابتعاد عنه تمامًا والحذر منه؛ لأن في ذلك ما يؤدي إلى نُفرة القلوب، وتنافر القلوب يؤذن بضعف المسلمين، وبتداعي شؤونهم، وبتأخرهم، وبالتالي التفريط في أسباب استحقاقهم وجدارتهم بهذه الخيرية.