⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
إن خلاصة ما يجيب على هذا السؤال هو أن نقتبس من نور كتاب الله عز وجل ما يغنينا عن كثير بحث؛ فإن الله تعالى حينما وصف رسالة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام وهي الرسالة الخاتمة قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. ولم يوصف أحد من الأنبياء والمرسلين قبله عليه الصلاة والسلام بمثل هذا الوصف، ولا ادعى أحد من المصلحين — سواء كانوا مصلحين سياسيين أو اجتماعيين أو في مجال الفكر والأخلاق — أنه كان بما أتى به رحمة للعالمين.
لكن هذه الشهادة الإلهية التي سُطّرت في هذا الكتاب المعجز الخالد لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي شهادة تزكية ما بعدها تزكية، هي شهادة ربانية إلى أن مبعث نبينا محمد عليه الصلاة والسلام يحمل الخير والعدل والعزة والكرامة والرحمة بأوسع معانيها لكل ذرة في هذا الوجود، لكل الكائنات فيه، لكل ما يشتمل عليه هذا الوجود مما يدل على الخالق، مما هو علامة على الخالق جل وعلا.
وأما تفسير معاني هذه الرحمة الواسعة الشاملة مما يميز محمدا صلى الله عليه وآله وسلم عن غيره من المصلحين والمربين والمفكرين والعلماء والدعاة إلى الخير وإلى مكارم الأخلاق، فإنها تتمثل بداية في أن دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ردّت إلى هذه الحياة معناها وحقيقتها وجوهرها، وهي أنها دار عبور إلى الحياة الآخرة، وأن الإنسان مستخلف فيها.
نجد ذلك في جملة من أوضح الحقائق التي أتى بها هذا الدين واشتملت عليها رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهي بداية شمول هذه الرحمة التي جاء بها لكل ما في هذا الوجود: إعلان وحدة الأصل الإنساني بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1]، ثم تكريم هذا الإنسان بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، ثم مبدأ الاستخلاف بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، وخلق الإنسان في أحسن تقويم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]، وإقرار حرية الإرادة والاختيار: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]، و﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، مع تحمّل أمانة هذه الحرية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: 72]، ثم مبدأ العلم، إذ كان أول ما نزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، واعتبار العلم فريضة واجبة.
هذه المبادئ والحقائق التي اشتملت عليها دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي التي تميّزه عن غيره، وهي التي تميز دعوته وإصلاحه عن غيره من المصلحين؛ فهي إصلاح شامل لكل وجوه هذه الحياة الدنيا، وهي عناية بالدنيا والآخرة، وهي اعتدال ووسطية لتلبية حاجات النفس البشرية فردا وجماعة، ورسمت ملامح إصلاحه النبوي الإلهي الذي أكرم الله عز وجل به سيد الأولين والآخرين أفضل الأنبياء والمرسلين على الإطلاق نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.