⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، الأفضل كثيرا ما تكون هناك معانٍ صحيحة، ولكن الناس يذهبون على الاستدلال لها بأدلة قد تكون تدل على جانب آخر لا على ذلك المعنى. نعم، فبالنسبة إلى هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] إنما الآية في تغيير الإنسان الذي يؤدي به إلى أن يغير الله عليه.
الأصل الإنسان هو على الفطرة، وإنما يخرج عن هذه الفطرة وينسلخ عنها، وهذا تغيير منه، وهنا يغير الله تبارك وتعالى عليه بسبب هذا التغيير الذي صدر منه، فسلبه النعم التي أنعمها عليه، نعم.
تغيير الإنسان إلى الأفضل، ومقاومة شرور النفس، ومقاومة نزغات الشيطان، هذا أمر مطلوب، وهو الذي يترتب عليه أيضا أن يعينه الله سبحانه وتعالى، ولكن كيف يكون ذلك؟ هل بدليل هذه الآية؟ هناك أدلة أخرى، أما هذه الآية فالتغيير إنما هو التغيير إلى الأسوأ والعياذ بالله، بدليل القرآن، كما هو معروف يفسر بعضه بعضا، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: 53]. نعم، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، هذه آية أخرى هي تفسر هذه الآية.
نعم، فإذاً نحن علينا أن نبحث عن الدليل للمعنى الصحيح. المعنى الصحيح بأن الله سبحانه وتعالى إنما يعين من عباده من سلك الطريق المؤدية إليه، من طلب الهداية من الله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]، الله سبحانه وتعالى ينعم على هؤلاء بأن يلحقهم بعباده الصالحين: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69].
وقد بين الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة بأن تحويل الإنسان مجراه من الشر إلى الخير، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الاعوجاج إلى الاستقامة، يترتب عليه أن تتوالى نفحات الله سبحانه وتعالى التي تغمره، وأن يتوالى لطف الله سبحانه وتعالى به، والآيات القرآنية الدالة على ذلك كثيرة، فكم من آية تدل على أن الله يفتح آفاقا لعباده المتقين، تقوى الله تعالى هي مفتاح كل خير، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 194]، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].
فمعية الله إنما تكون لهؤلاء المتقين المحسنين الذين يعملون بأمره، ويزدجرون عن نهيه، ويقفون عند حدوده، ويحرصون على مرضاته، ويتوقون سخطه، هؤلاء هم الذين يغمرهم اللطف الإلهي، وتشملهم العناية الربانية، ويخرجهم الله سبحانه وتعالى من الظلمات إلى النور، ويفتح لهم آفاق العلم، كما يوحي أيضا بذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، هذا الاستدلال من باب الاستدلال بدلالة الاقتران، لأن الله سبحانه وتعالى ذكر الأمر بالتقوى ثم ذكر أنه يعلم عباده، فهذا العلم إنما يكتسب بالتقوى، لأن لطف الله سبحانه وتعالى إنما يكون للمتقين، والعلم هو نور في القلب، ليس هو مجرد أن يحفظ الإنسان المسائل وأن يحكي عن فلان وفلان.
ومثل ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29]، فتقوى الله تعالى مفتاح لهذا الخير، مفتاح خير الدنيا والآخرة.