⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت العز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد، فإن مبعث تزكية الإنسان لنفسه، وسمو روحه، وتهذيب طبعه إنما ينبعث من إيمان راسخ صادق بالله تبارك وتعالى، وهذا الإيمان يعني أن يتعرّف المؤمن على ربه جل وعلا بصفاته العُلْيا وأسمائه الحُسنى، فيوقن أن المبدأ منه جل وعلا، وأنه الخالق المدبّر لهذا الكون، المتصرف فيه، اللطيف الرحيم، كما يوقن أن المنقلب إليه سبحانه، فهو منه المبدأ وإليه الرجعان، وهو المنعم المتفضل على هذا الإنسان بإيجاده في هذه الحياة، وتسخير ما في الكون له.
وهذا الإيمان يبصّره بحقيقة هذه الحياة، وأنها دار عبور، وأن المنقلب إنما هو إلى دار القرار، أما إلى جنة أو إلى نار –نعوذ بالله–. فحينما يتذكر المؤمن معاني الإيمان هذه فإن ذلك يكون منطلقًا نحو تزكية نفسه، لأنه سيخشى ربه جل وعلا، سيحبه ويخافه ويخشاه، وستتقلّل في عينه هذه الدنيا بأهوائها وشهواتها وزخارفها، لأن نظره ليس إليها وإنما نظره إلى الحياة الآخرة الباقية الخالدة، فيوقن أن حياته إنما هي دار عبور، وأنه مهما طالت أيامه في هذه الحياة فهو منقول إلى الدار الآخرة، فيعدّ العدّة اللازمة لذلك.
وهذا أو مثل هذا حينئذ سوف يسعى إلى أن يكون عبدًا مطيعًا مستسلمًا منقادًا لأمر الله تبارك وتعالى، يتحرّى مرضاته في كل أمر من الأمور، ويسعى إلى أن يأتي كل ما أمره به، وأن ينتهي عن كل ما نهاه عنه.
يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10].
لكنه في مسيره في هذه الحياة لا بد له أن يغتنم مواسم الطاعات ليتزوّد منها زاد التقوى الذي يبلّغه رضوان ربه جل وعلا، وقد أودع الله عز وجل في بعض الأزمان مواسم خير وبركة تُضاعَف فيها الأجور، وتكون النفوس أقرب إلى التوبة والإنابة والاستغفار، ويكون الدعاء فيها أقرب إلى الإجابة، وتتفاعل نفوس الأفراد والجماعات في هذه المواسم إقبالًا على الله تبارك وتعالى، ولذلك فإنه لا ينبغي للمسلم أن يفوّت أمثال هذه المواسم.
وفي صدارة هذه المواسم المباركة التي تضاعف فيها الأجور، والتي أودع الله عز وجل فيها من الخير ما لا يصح أن يفوته عاقل: شهر رمضان؛ لأنه اختص بجملة من المزايا في صدارتها كما قال ربنا جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، نعم، ولأنه جعله الظرف الزماني لأداء فريضة هي من أركان هذا الدين، ألا وهي فريضة الصيام، نعم، ولأن النفوس تمتثل أمر ربها جل وعلا بالصيام والكفّ عن بعض المباحات تدريبًا للنفس للامتناع عن كل ما لا يحلّ لهذا المسلم في شرع الله تبارك وتعالى.
ولأنه يحمل نفسه على أفضل الأخلاق، وأكمل السجايا، وأحسن الشِّيم في شهر الخير والطاعة، فإنه يغتنم هذه النفحات بأن يكون موصولًا بكتاب الله عز وجل الذي أُنزل في هذا الشهر، نعم، فهناك عبادة الصيام، وهناك القرآن الكريم، وهذه كلها تزوّد هذا المؤمن زادًا من التقوى يمكّنه من مواجهة غلواء هذه الحياة الدنيا، ومن كبح جماح نفسه، وكبح شهواتها من أن تنساق وراء خطى متّبعة خطوات الشيطان.
فإذا ما نظرنا إلى ما أودعه أيضًا ربنا جل وعلا في شهر الصيام، فإننا سنجد أنه جل وعلا قد لفت أنظار المكلّفين إلى أهمية أن يولوا الدعاء ما يستحقه من عناية في هذا الشهر؛ لأننا نجد أن آية الدعاء في قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186] تتوسط آيات الصيام، نعم.
وأباح له ربّه جل وعلا حينما قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187]، إلا أن هذا السياق نفسه ذكر فيه أيضًا نوعًا من أنواع النُّسُك التي يحبها الله تبارك وتعالى، وحرص عليها رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم، وهو نُسُك الاعتكاف.
كل هذه العوامل تمكّن نفس المكلّف من أن تزكو، وأن تنمو فيها خصال الخير، وأن تسعى إلى ابتغاء رضوان الله تبارك وتعالى، وتكون أبعد ما تكون عن الفواحش والمنكرات، وعن أسباب الفساد واتباع سبل الغواية، وبهذا نفهم معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، ونفهم أن هذه العبادة كباقي العبادات تبلغ هذا المرء تقوى الله سبحانه وتعالى، المنصوص عليها في قوله أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21].
فبهذا يغتنم الساعي إلى الخير، المستزيد من لطائف هذه المواسم ومن البركات التي أودعها الله تبارك وتعالى فيها، يستزيد مزيدًا من التقوى والقرب من الله سبحانه وتعالى، إلا أن ذلك يحتاج إلى عمل، وهذا العمل لا بد أن يؤسَّس على إيمان راسخ وعقيدة صحيحة بالله واليوم الآخر.
والله تعالى أعلم.