⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد فإن شهر رمضان موسم طاعة وإقبال على الله تبارك وتعالى، وذلك يتحقق فيما نجده في كتاب الله عز وجل في جملة أمور، فسياق آيات الصيام ابتدأ ببيان هذه الشعيرة العظيمة وكشف حكمها على العباد حينما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فجوهر هذه العبادة هو الصيام، وهو الذي يبلِّغ إلى الغاية منه وهي التقوى، كما هو الشأن في سائر العبادات التي فرضها علينا ربنا تبارك وتعالى.
ولذلك نجد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تؤكد هذا المعنى، فهو عليه الصلاة والسلام يقول: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، ويقول: «الصوم جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». وفي الحديث القدسي الذي يرويه عن رب العزة والجلال يقول: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به».
هذه الأدلة الشرعية كلها تدور حول تأكيد حقيقة الصيام، أن جوهر هذه العبادة وروحها إنما يتمثل في الإمساك الشرعي المعلوم، الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، مع العلم بكونه صائما والنية لذلك.
وورد في سياق آيات الصيام مباشرة قول الله تبارك وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، فلئن كان مقصود الصيام تبليغ التقوى، فإن مقصود القرآن الذي جعل الله تبارك وتعالى وعاءه الزماني شهر رمضان هو ما أشارت إليه هذه الآية الكريمة: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.
فالذي يحيَا بالقرآن الكريم في شهر القرآن فليجعل غايته أن يهتدي بنور القرآن، وأن يحيي قلبه ويوقظ ضميره، وأن يتبين ببيِّنات القرآن الواضحات الحق من الباطل، والخير من الشر، والصلاح من الفساد، وما يجلب له الخير والرشد في عاجل أمره وآجله. وهذا معلم غاية في الارتباط والتكامل مع فريضة الصيام التي يؤديها المسلم في شهر رمضان، فالانفكاك بين الصيام والقرآن [غير مقبول].
ولذلك فإن على المسلم الذي يؤمِّل نفسه أن يحوز منافع الصيام، وأن ينال أجر الصائمين في دنياه وآخرته، أن يعيش مع القرآن الكريم، وأن يتدبر في آياته، وأن يتأمل في عظاته وهداياته، وليس في ذلك حد معين؛ فلينتهز سانحات الفرص على أن يحمل نفسه إلى ذلك، فلا يترك هذه النفس دون أن يواجهها، دون أن يقودها هو إلى ما يعينه على تحقيق هذه المقاصد، فإن استعان بشيء من ترتيب جدول له فذلك حسن، وإن لم تواته الظروف لكنه توجه هذه الوجهة فذلك أيضا حسن، الحاصل أن عليه ألا يكون خالي الوفاض في الوقت الذي يتزود منه غيره خير زاد.
ثم نجد أيضا في السياق أن ربنا تبارك وتعالى قال –أي في سياق بيان آيات الصيام–: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، هنا أيضا إشارة إلى أهمية الذكر والدعاء في شهر رمضان، مع بيان الغاية التي يحققها هذا الصائم التالي لكتاب الله عز وجل، المتوجه إليه بذكره ودعائه والضراعة إليه، من أنها تبلغه الرشد؛ الرشد الذي يزيح عنه سُجُف الظلام، ويُبعِد عنه ظلمات النفس والهوى والدنيا وشهواتها وأهوائها، فلا يستطيع أن يتحقق له نور الرشد إلا بأن يلجأ إلى الله تبارك وتعالى.
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الدعاء والذكر في رمضان، ولهذا نجد أن المسلمين سلفهم وخلفهم يحرصون أشد الحرص على الذكر والدعاء والتبتل إلى الله عز وجل في شهر رمضان، في قيامهم، في صلاة التراويح، وفي تهجُّدهم، وعند السحر، آناء الليل وأطراف النهار، أدبار الصلوات، لما يجدونه من لذة الذكر وحلاوة المناجاة وأثر الدعاء.
وبعد ذلك يأتي في ختام هذه المعالم أنَّنا نجد أن الله تبارك وتعالى يتم آيات الصيام بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾، وما ورد في الآية الكريمة من أحكام وإرشادات إنما هو لتنبيه هذه النفوس أن تقبل على الله تبارك وتعالى برفق ويُسر، وألا تنقطع انقطاع رهبانية، وهي مع أدائها لهذه العبادات فإنها لا تتخلى عن أماناتها ومسؤولياتها المنوطة بها في هذه الحياة الدنيا؛ كلٌّ ومسؤوليته، كلٌّ وأمانته التي يؤديها في هذه الحياة.
من أجل ذلك نجد أنه في ختام آيات الصيام نجد هذه المعاني المتعلقة بإباحة العلاقة الزوجية، وبإباحة الأكل والشرب باعتدال، وحتى لا تتجه النفوس أيضا بانْدِفاع إلى هذه المباحات يأتي الباعث الإيماني الذي يذكر النفوس مرة أخرى بالله تبارك وتعالى، ويعيدها إلى ما إليه من تزكية ومن إنعاش، فيقول: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فهي إشارة إلى أن الاعتكاف في رمضان هو من سنن رمضان، وكان ذلك من هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمتى ما تيسر ذلك فإنه مما يُستحب ويُندب إليه لتكتمل هذه المعالم في نفس الصائم.
وهو –بعد ذلك– ينبغي له أن يجدد البواعث في نفسه، وأن يحفز هذه النفس بمزيد إقبال يوما بعد يوم، لأنه كلما اغترف غَرْفة بيده من حلاوة الصيام ومن لذة هذه العبادة ازداد شوقا إلى مزيد منها. نسأل الله تبارك وتعالى أن يورثنا ذلك.