⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
ليُخلِص نيته أولا، ليبتغي رضا الله تبارك وتعالى بأدائه لهذه الفريضة التي افترضها الله عز وجل عليه، فإن مناط الأمر كله على إخلاص القصد لله سبحانه وتعالى.
ثم ليوقن أن المولى الكريم لم يأمره بشيء إلا وفيه صلاح له وعاقبةُ خير، وفيه منفعة له في عاجل أمره وفي آجله.
فإذا أيقن بذلك عليه أن يتعرّض لهذه النفحات واللطائف التي أودعها الله عز وجل في رمضان؛ لأن الصوم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جُنّةٌ» وقاية، وهو جُنّةٌ يمنعه مما بيَّنه الحديث نفسه: «فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفُثْ ولا يَصخَبْ ولا يجهلْ، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقل: إني صائم». فهذا يعني أن الصوم وقاية للمرء من الوقوع في ما يسخط الله تبارك وتعالى، وهذا ما يتحراه المسلم ليبلغ درجة التقوى.
لم يأت هذا الدين لإرساء رهبانية؛ فالمسلم حينما يصلي فإنه يؤدي صلاته في خضمِّ عمارته لهذه الحياة، وأدائه لأعماله فيها، وسعيِه لابتغاء الرزق، أو طلبِه للعلم، أو نفعِه لنفسه وللآخرين.
وحينما يصوم فإنه يضبط شهوات نفسه، ويكبح جماح هذه النفس، وهو خائض لغمار هذه الحياة، فيتقي الشهوات والمفطرات التي منعه صيامه منها؛ لأنه صائم، لأنه يبتغي إيمانا واحتسابا ما أعده الله عز وجل له في الآخرة.
ولذلك فإن أمرَ إعدادِ برامجَ وجداولَ قد يُوهِم بعضَ الناس أن الصيام لا يتأتى إلا إذا أعدّ المرءُ لنفسه جدولا أو برنامجا، وكأن المسألة شاقة عسيرة. وظني أن من أرشد إلى تنظيم الوقت إنما يريد التسهيل والتيسير، والمسألة بإذن الله تعالى يسيرة؛ لأن الصوم كفٌّ، امتناعٌ عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، لا يعني الامتناعُ هذا أن يمتنع عن أداء أعماله، عن طلبه للعلم، عن مذاكرته ومذاكرةِ دروسه، عن التحاقه بما ينفع من أعمال، عباداتٍ وأعباءٍ يقوم بها، لا يعني أن يمتنع عن نفع الآخرين.
وإنما عليه أن يستغل لحظات هذا الشهر؛ لأن الأجور فيه تُضاعَف، ولأن النفوس مهيَّأة أكثر، ولأن روحانية رمضان تُضفي على الصائم لذة العبادة والمناجاة، وتحمله على الصبر، وتغرس فيه الجهادَ لابتغاء رضوان الله تبارك وتعالى؛ فإن من الأسهل له أن يُعطيَ لنفسه نصيبا بأن يخصص وقتا لكتاب الله عز وجل تلاوةً وحفظا ومذاكرةً وتدبرا، وأن يكون لصلواته عنايةٌ؛ لا سيما وأن قيام رمضان فيه أجر عظيم: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»، وهي تهيئة وتدريب للنفس على تحرّي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، شهرٍ دعاؤها مستجاب كما هو شأن الدعاء في رمضان، إلا أن مظنة إجابة الدعاء في ليلة القدر أقرب وأكثر.
فيُعود نفسه على القيام قدر ما يستطيع، ويُعطي أسرته من نفسه حقوقَهم من عيالٍ وزوجٍ وأقاربَ وأرحامٍ بالصِّلةِ وبالنصيحةِ وبالموعظة وبالتعليم النافع، وبكل ما يمكن أن يعود عليهم جميعا بالنفع والفائدة.
لا ينبغي له أن يُهمِل نفسه أيضا من أن يقوم بشيء من الأعمال الخيرية التطوعية؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجودَ ما يكون في رمضان، كان جوده كالريح المرسلة، وكان جبريلُ عليه السلام يُدارسه القرآن، فكان أجودَ ما يكون عليه الصلاة والسلام حينما يدارسه جبريلُ عليه السلام القرآنَ الكريم.
إذن لنغتنم لحظاتِ هذا الشهر المبارك بنهاره وليلِه صياما وصلاةً وقياما وعبادةً وعملا وعلما، وسيسهل بعد ذلك ترتيبُ الأولويات بإذن الله تعالى.