⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.
ثم إنني أُهَنِّئكم بهذه المناسبة العظيمة، داعيا الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى أن يعيدها وأمثالها على المسلمين وقد تحقق لهم ما يصبون إليه من نصر وعِزَّة.
لا شك أن الله تبارك وتعالى قد فضَّل بعض عباده على بعض، وفضَّل بعض الأمكنة على بعض، وفضَّل بعض الأشهر والأيام والساعات على البعض؛ فالله تبارك وتعالى قد فضَّل المرسلين على سائر الخلق أجمعين، وفضَّل بعض الرسل على بعضهم الآخر بنص كتابه العزيز، كما أنه تبارك وتعالى قد فضَّل بعض الأمكنة كمكة المكرمة والمدينة وبيت المقدس على سائر البِقاع الأخرى، وكذلك فضَّل بعض الأشهر كشهر رمضان المبارك على سائر الشهور، وفضَّل بعض الأيام كعشر ذي الحجة على غيرها من الأيام الأخرى، وكذلك فضَّل ليلة القدر التي هي إحدى ليالي هذا الشهر الكريم، على القول الصحيح الراجح الذي ذهب إليه جمهور الأمة، فضَّلها على غيرها من الليالي.
وجدير بالمسلم أن يستغل هذه الأوقات، وأن يستغل أيضا تلك البقاع التي فضَّلها الله تبارك وتعالى على غيرها بالعبادة؛ فيستغل هذا الشهر الذي أنزل الله تبارك وتعالى فيه القرآن بنص الكتاب العزيز كما في سورة البقرة، وفيه ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1] بنص القرآن الكريم أيضا، في سورة كاملة التي هي سورة القدر، ونص على ذلك في غير هذين الموطنين أيضا.
فجدير بالمسلم أن يستغل هذا الشهر الكريم في الصيام والقيام؛ أما الصيام فهو أمر واجب متحتِّم على كل مسلم ليس له عذر شرعي يمنعه من الإتيان بالصيام أو يُرخِّص له في ترك الصيام، والعذر الشرعي الذي للمسلم أن يترخَّص به هو المرض والسفر؛ فإذا كان المسلم مسافرا فإن له أن يترخَّص بالإفطار، بل قد يكون الإفطار أولى في بعض الأحيان، بل قد يكون واجبا في بعض الأحيان عندما تكون هنالك مشقَّة شديدة يصعب أن يتمكَّن المسلم من الإتيان بالصيام معها إلا إذا أصابه ضرر أو ما شابه ذلك، في هذه الحالة ليس له أن يصوم.
أما إذا وُجدت مشقَّة فهاهنا يُفضَّل له أن يُفطر، أما إذا لم تكن هنالك مشقَّة فاختلف أهل العلم: هل الأولى له أن يُفطر أو أن يصوم؟ ولا شك أن القول بأفضلية الصيام هاهنا أولى لأدلَّة متعددة لا داعي لذكرها الآن. وكذلك بالنسبة إلى المرض فإنه يختلف؛ تارة لا يجوز معه الإفطار، وذلك كالزكام مثلا، إلا في حالات نادرة بالنسبة لبعض الناس الذين تصيبهم مشقَّة من ذلك، وإلا فالأصل في الزكام ونحوه أنه لا يجوز معه الإفطار، أما إذا كانت هنالك مشقَّة شديدة فهاهنا لا يصح الصيام، بل ذهب بعض العلماء إلى أن من صام فإن صيامه ذلك لا يُجزِيه، أما إذا كانت هنالك مشقَّة ولكن لا يلحق المسلم من ذلك ضرر فالأولى هاهنا الإفطار، كانت هنالك مشقَّة كبيرة ولكن لا يلحقه ضرر، فالأولى هاهنا الإفطار.
فإذن الصيام أمر متحتِّم، وإنما يُعذَر من يُعذَر في ذلك بحسب العذر الذي ذكرناه مع أولوية الصيام أو الإفطار على حسب اختلاف الأحوال.
أما بالنسبة إلى قيام الليل فإنه أمر مُرغَّب فيه في سائر العام، وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع أنه قد غفر له ربه ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، يُكثِر من قيام الليل حتى تورَّمت قدماه الشريفتان، وحتى تسأله سيدة عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها عن ذلك، مع أنه قد غفر له الله تبارك وتعالى ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فيجيبها: «أفلا أكون عبدا شكورا؟» أو «ألا أكون عبدا شكورا؟»، وقد جاء ذلك أيضا من غير طريقها عن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إنه صلوات الله وسلامه عليه قرأ في ركعة واحدة بسورة آل عمران وبسورة النساء، مع أنه كان يسأل الله تبارك وتعالى إذا مرَّ بآية رحمة، ويستعيذ به تبارك وتعالى من النار عندما يمرُّ بآية عذاب، هذه ركعة واحدة، مع أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بالوتر، وفي بعض الروايات إحدى عشرة ركعة، ويمكن الجمع بين ذلك كما قدَّمنا سابقا أي في غير هذه الليلة.
لكن القيام في شهر رمضان أهم من غيره، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا» لابد أن يكون إيمانا واحتسابا «غُفر له ما تقدَّم من ذنبه»، وجاء ذلك أيضا في قيامه ليلة القدر التي هي إحدى ليالي هذا الشهر الكريم: «من قام ليلة القدر غُفر له ما تقدَّم من ذنبه».
فينبغي للمؤمن أن يُكثِر من ذلك، وينبغي له أن يُكثِر من قراءة كتاب الله تبارك وتعالى، وينبغي له أن يُكثِر من أعمال البر، ومن الصدقة وغير ذلك، كما أنه ينبغي له أن يجتنب جميع ما نهى الله تبارك وتعالى عنه في كتابه العظيم أو على لسان عبده ورسوله النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه؛ فإن المنهيات وإن كان يجب على المؤمن أن يجتنبها في أي حال من الأحوال، ولكن فعلها في شهر رمضان من أشدِّ الفعل، فهو أشد من غيرها، فالمحاسبة فيها، أو ينبغي للمؤمن أن يُحاسب نفسه في كل دقيقة وجليلة في مثل هذه الأحوال.
ولذلك جاء من النهي ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم عن المعاصي في هذا الشهر، فثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا صوم إلا بالكفِّ عن محارم الله»، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الغيبة تُفطِّر الصائم وتنقض الوضوء»، وثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم غير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تدل على التشديد في أمر المعصية.
وكما قلت أو أشرت: إن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أنه يمكن لأحد أن يَقترف معاصي الله في غير هذا الشهر العظيم، وإنما جاء ما جاء في ذلك لمعنى لا يخفى على الفَطِن، كما أنه أيضا ليس معنى ذلك أن العبد يُفرِّط في شيء أوجبه الله تبارك وتعالى عليه في غير شهر رمضان المبارك، ولا أنه يتساهل بما ثبت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام إلى غير ذلك من الأعمال الصالحة، وإنما ينبغي الإكثار من الطاعات في هذا الشهر الكريم، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود في هذا الشهر الكريم من الريح المرسلة؛ فالأعمال الصالحة تتضاعف في هذا الشهر الكريم، وكذلك الأعمال الطالحة والعياذ بالله هي أشد في هذا الشهر من غيرها.
وإلا كما قلت: لابد من التنبه إلى أنه ليس لأحد أن يحوم حول حِمى أي معصية من معاصي الله تبارك وتعالى.
والله تبارك وتعالى أعلم.