⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
كثير من أرباب الإصلاح ممن آتاهم الله تعالى حكمةً ونظرًا إنما يقصرون أنظارهم في واقعهم، نعم، وكثير منهم لا يكونون مشاركين في صناعة الإصلاح، نعم، وإنما يمكن أن ينظِّروا له، ويمكن أن يدعوا إليه، لكنهم لا يكونون طرفًا فيه.
وكثير منهم أيضًا إنما يقوم على إرضاء الأطراف الموجودة، وهذا كان صنيع أجداد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، ولذلك اقتسمت الوجاهة في بطون قريش، فبدل أن يأتلفوا على رئاسةٍ لهم –كما هو الشأن في الحضارات المجاورة لهم نعم أو في المجتمعات المجاورة لهم– اقتسموا هم السيادة والرئاسة، نعم، اقتسموها في بطونهم، وهذا لا شك أنه بعيد عمّا صنعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فأولًا: الجانب الإيماني، الذي هو الجوهر؛ فهو إصلاح مسدَّد بوحي الله تبارك وتعالى، لا يقف عند حدود المصالح الدنيوية، وإنما يبعث فيهم التطلع إلى المصالح الأخروية عبر عقيدة الإيمان، فأساس الإصلاح ومبعثه ومنتهاه إنما هو الإيمان بالله واليوم الآخر، نعم.
ثم إنه لا يقتصر على مجتمع ضيِّق، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ بأهل مكة، نعم، هذا واضح، لكنه قبل بيعة العقبة الكبرى كان قد عرض نفسه على خمسة عشر بطنًا من قبائل العرب، نعم، حتى وصل إلى بيعة العقبة الكبرى.
ولذلك نجد في السيرة، وهو حتى في كتب السنة، أن كان من المأمول أو كان من المتوقع أن تكون الهجرة إلى أحد دارين: إما إلى يثرب أو إلى هَجَر. ولماذا هجر؟ لأن وفد عبد القيس حينما دخلوا في الإسلام أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجعوا إلى ديارهم، وديارهم هي في جواثا التي هي في الأحساء، نعم، فكان بعض المسلمين يظن أن الهجرة ستكون إلى هناك، نعم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالعودة إلى بلادهم، وأن يعودوا إليه حينما يظهروا أمره، نعم، وتشتبه في الوصف لما قال لهم عليه الصلاة والسلام: رأيت دار هجرتكم، أرض ذات نخيل وحَرَّتَيْن، فتردد بعضهم: هل هي هجر أو أنها يثرب؟ نعم. وبعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم صارت المدينة المنورة هي المقصودة.
من هذا المقصود؟ من هذا أن أثر الإصلاح ما كان مقتصرًا على المجتمع المكي، نعم؛ ولذلك ما ذكرتموه من آبائه عليه الصلاة والسلام، وهم أشراف قومهم، نعم، إنما كانوا يقصرون نظرهم على مصلحة مجتمعهم في مكة، نعم؛ أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أول الأمر كانت مكة مهبط الوحي الأول، ومنزل النبوة، وأول مَدَد يتلقى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي من عند ربه جل وعلا، لكنها –أي: إن أهلها– تنكروا لذلك كله، نعم، وأَبَوا إلا أن يكونوا في آخر ركب الاستجابة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منهم، نعم، واستقبلت المدينة المنورة هذا الشرف، وحاز الأنصار هذا الشرف البالغ.
هذا أيضًا يرد على ما تشيرون إليه من أن هذا الدين لا يرتبط بالقوميات والعصبيات العنصرية الضيقة، وإنما أفقه أفق إنساني عالمي؛ فحيث ما وُجد المتنفس والانتشار فإنه يسري فيه سريان الروح في الجسد، نعم، وهذا فارق جوهري.
كذلك نجد أن المنفعة لا تقتصر على الأتباع فقط، نعم، ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم –كما حصل في المدينة المنورة حينما عاهد أهل المدينة وفيهم اليهود في ما يُعرف بوثيقة المدينة– فإنه التزم بأن يوفِّر لهم الحماية وأن يدفع عنهم شريطة أن يلتزموا هم بما عليهم، نعم، فانتفعوا هم من ذلك... إلى أن يقول: إذًا أثر هذا الإصلاح ما كان محدودًا لا في بيئة ضيقة ولا في زمان محدود، نعم. هذه كلها فوارق جوهرية لا بد أن يُنتبه إليها حين تُدرس سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام.