مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

زيادة السكان والتأليف

ما دلالة زيادة عدد سكان المدينة في عشر سنوات من الناحية التخطيطية، وكيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم تأليف هذه التشكيلة السكانية المتنوعة؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أحسنتم دكتور، وأنا أضيف إلى هذه التركيبة السكانية أنهم كانوا متنوعين ثقافيًا، نعم، هناك الأوس والخزرج، لم تجف سيوفهم بعد من يوم بعاث أو حرب بعاث، وهناك وثنيون، هناك من تنصَّر من الأوس والخزرج، وهناك من كان ذا دهاء ومنزلة اجتماعية وجاهة، حتى بلغ الحال أنهم كادوا يتوِّجوه، وهو عبد الله بن أُبيِّ بن سلول، هناك اليهود، وكانوا قبائل، ولهم قراهم وآطامهم، وهناك الأعراب، وفيهم أيضًا الوثنيون، وفيهم من يدين بالولاء إلى إحدى دولتين: إما إلى الروم وإما إلى فارس، نعم، فكانت خليطًا منوَّعًا تنوّعًا عجيبًا، نعم. لكن الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وعليه الصلاة والسلام أول ما وصل –بعد أن درس هذا المجتمع، ونحن نعلم أنه كان قد أرسل سفيرًا إلى أهل المدينة إلى المسلمين منهم، نعم، وكذا الحال بالنسبة لبيعات العقبة، فقد تعرّف منها على أحوال المدينة المنورة– جميل، ولذلك فإن الخطوات التي اتخذها عليه الصلاة والسلام –وقد كان يسابق الزمن فيها– لم يتوانَ لحظة في أن يحقق تماسكًا اجتماعيًا وأمنًا مجتمعيًا لهذا المجتمع المتعدد المتنوع. فبين المسلمين أنفسهم عمِد إلى المؤاخاة التي تحدثنا فيها في المرة الماضية، نعم، غير اسم هذه المدينة، نعم، فبعد أن كانت يثرب سمّاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سمَّاها الله تعالى في كتابه الكريم: المدينة، "مدينة الرسول"، وسمّاها هو عليه الصلاة والسلام أيضًا طيبة وطابة، وعدَّ بعضهم عشرات الأسماء للمدينة المنورة، نعم، لكنه كره اسم "يثرب"، وفي بعض الروايات أنه كان يُؤاخذ من ذكرها باسمها القديم. أزالَ الانتساب القبلي المرتبط بالحوادث الدموية التي كانت بينهم، نعم، فالأوس والخزرج صاروا الآن الأنصار، نعم، وهؤلاء المهاجرون إليهم يُعرفون بالمهاجرين، يعني أعطاهم أسماء جديدة، أعطاهم أوصافًا جديدة، هؤلاء هم الأنصار، وقد أثنى الله تبارك عليهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]، فكل ما يمكن أن يمتَّ إلى الماضي الدموي الذي يمكن أن يثير فتنة، نعم، أو يبعث التنازع والتفرق بينهم أطفأه رسول الله صلى الله عليه وسلم إطفاءً تامًا، نعم، واستبدل به أوصافًا جديدة، نعم، تدل على المعاني الحبيبة إلى النفوس، المعاني التي تؤلف بينهم، بدءًا من اسم المدينة نفسها، ثم –وهذا نتحدث عما تلى المؤاخاة، وكان أثناء المؤاخاة واستمر معه عليه الصلاة والسلام– من تغيير اسم المدينة، ومن تغيير وصفهم، فلم يعودوا ينتسبون إلى الأوس والخزرج إلا بالمعاني الإيجابية التي يريد أن ينمِّي فيها مَلَكاتِهم، أو أن يذيب شيئًا من الفوارق. على سبيل المثال: هو عليه الصلاة والسلام لما دخل إلى المدينة المنورة دخل من جهة الأوس، نعم، مع أن الأوس أقل من الخزرج حتى في النقباء الذين اختارهم عليه الصلاة والسلام، كان عدد النقباء من الأوس أقل من الخزرج، نعم، وجعل النقيب على النقباء أسعد بن زرارة، مع أنه شاب –بالمناسبة– نعم، وكانوا يطلبونه بدماء، لكنه نزل في الأوس به الحال، ودخل عليه أسعد بن زرارة دخل عليه ملثَّمًا ليحمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يتسلل بعد ذلك عند الخير، فكان عليه الصلاة والسلام حينما يجتمع إليه الخزرج والأوس يسأل: ما فعل أسعد بن زرارة؟ ما فعل أسعد؟ وهم يذكرونه بأن لهم طلبة عنده، فيسأل ثلاث مرات، أربع مرات، فبدأ ذلك يخفف مما في نفوسهم عليه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول مقدمه يسأل عنه، فهذا له مكانة، نعم، ثم بعد أن رأى أن نفوسهم هدأت قال: هل من أحد يجيره؟ فتعالت الأصوات: نُجير من أجرتَ يا رسول الله، نُجير من أجرتَ يا رسول الله، فأزال ذلك ما في نفوسهم، فكان دخوله وتخطيطه للدخول مقصودًا، لم يكن أمرًا اعتباطيًا، هذا مؤشر على ما كان يحققه عليه الصلاة والسلام لتماسك هذا النسيج الاجتماعي المتنوع. دلالة دخوله من جهة الأوس: ما هي هذه الدلالة؟ هو كان يريد أن يطفئ أولًا –هم أقل عددًا– فكان يريد أن يشعرهم بالطمأنينة والسكون، نعم، وأنه معهم ومنهم، جميل، وكذا الحال يريد أن يطفئ ما بقي من رواسب بينهم وبين الخزرج، نعم، فمن أجل ذلك كان عليه الصلاة... هذا بعض الدروس التي تؤخذ، نعم، إذا المسألة ليست مسألة طريق. قلنا في المرة الماضية: حتى لما أتى إلى موضع خروجه من بني عمرو بن عوف، نعم، فقال: "أُمرتُ بقريةٍ تأكل القرى"، نعم، إذ هذه القرى المتناثرة هو يريد قرية تجمعها، جميل، وهناك حيث بنى مسجده الشريف عليه الصلاة والسلام. إذًا الآن: المؤاخاة، المسجد، السوق، بقي أمر واحد، وهو ما يصل الأنصار والمهاجرين، ما يصل جماعة المؤمنين ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغيرهم من اليهود ومن ساكني المدينة، وهنا جاءت وثيقة الموادعة، جميل، إذ هذه الإجراءات العملية أراد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم –على المستوى المجتمعي– أولًا أن يذيب بها الفوارق، وأن يكون مجتمعًا متماسكًا، نعم، ووثيقة المدينة، أو الدستور، أو كتاب الموادعة –أيًّا ما كان اسمه– نعم، كلها منطوية على اللبنة الأولى لبناء هذا المجتمع، والتعريف بالحقوق، والدعوة إلى الالتزام والوفاء بهذه الحقوق، نعم. ابتدأ بعد ذلك ما يتصل بالجانب –كما يقال– الديموغرافي: هذا السكان، هؤلاء السكان في هذه الأرض، في هذه البقعة، لا بد لهم من أمن مجتمعي، ولا بد لهم من أن تكون مرافق حياتهم مترابطة، نعم. من اللطائف التي لجأ إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ينتبه لها كثير من الناس: أن أصحابه الكرام المهاجرين من المسلمين الأوائل ما سكنوا حوله، وإنما كانوا موزعين –بإمره صلى الله عليه وسلم، بإيعاز منه عليه الصلاة والسلام– حتى في اختياره لمن يؤاخيه راعى هذا الجانب، نعم، فكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه في جهة، وكان غيره –عبد الرحمن بن عوف– في جهة، وبعد ذلك لما وصل أيضًا سيدُنا علي بن أبي طالب كان أيضًا في جهة، لأن هؤلاء تربوا تربية مختلفة عن الأنصار، نعم، ويعرفون ما الذي يوصلونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخبار المدينة عليه الصلاة والسلام: من أوضاع المدينة، من أحوال اليهود وتحركاتهم، هؤلاء عانوا الأمرين من أهل مكة، نعم، ويعرفون بوادر الأذى والأضرار، يعرفون مكامن الخلل، يعرفون الثغور التي يمكن أن... فلذلك بعثهم عليه الصلاة والسلام أولًا ليختلطوا بالأنصار، نعم، وليقدِّموا نماذج لهم، ثم ليكونوا عيونًا له عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يريد أن يؤسس مجتمعًا، وكان حذرًا للغاية، وأشد ما كان حذره منه عليه الصلاة والسلام هو أذى اليهود، وقد ذكرنا في المرة الماضية ما يتعلق بكعب بن الأشرف حينما مسح ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خطَّه للسوق في أول الأمر، نعم. ويعرف أن هناك محاولات للإيذاء، وبعد بدر ظهر النفاق، نعم، ويعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن هناك نفاقًا في المدينة، وأن هذا النفاق أيضًا متنوع، ولذلك ليس من الأمر اليسير أن نتصور أن ابن أُبيّ بن سلول استطاع أن يخرج في أُحدٍ ثلثَ الجيش، نعم، نحن نقرأ هذا الحدث ولا نتصور، نظن نلتفت فقط إلى ما حصل للمسلمين، ولا نلتفت أن هذا الكيد، أن هذا الجاسوس المخذِّل كان له من الأتباع، وممن يسمع له، ما يصل إلى ثلث جيش المسلمين، نعم، لم يكن هذا بالأمر السهل، خمسمائة شخص تقريبًا. فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان منتبهًا لكل هذه المكائد، ولذلك كان أيضًا من تخطيطه وحكمته أن يجعل أصحابه متفرقين في هذه الأماكن، نعم، ثم أرشدهم إلى البناء، فاتخذ مسجده عليه الصلاة والسلام، ووصل الحال في تخطيط المدينة أنه يرشدهم –هذه الرواية موجودة في الصحيحين وفي جملة من السنن والمسانيد– قال: «اجعلوا الطريق سبعة أذرع»، وفي بعض الروايات: «فإن اختلفتم فاجعلوا الطريق سبعة أذرع»، أو: «سبعة أذرع»، نعم. هذه الرواية هي نفسها التي فيها الحديث الشهير الذي اتُّخذ قاعدة فقهية من القواعد الفقهية الكلية: "لا ضرر ولا ضرار"، قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا –لما قلت– كان يسابق الزمن، نعم، قال: "لا ضرر ولا ضرار، ولا يمنعن أحدٌ جاره أن يغرس خشبةً، وإن اختلفتم فاجعلوا الطريق سبعة أذرع"، في بعض الروايات: الطريق المِيتاء –يعني الطريق الواسعة– سبعة أذرع، تبلغ خمسة أمتار تقريبًا، نعم. هذه الرواية نفسها أيضًا إذا ربطناها بالحوادث السابقة سنجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمد وحدة قياس، وهي الوحدة المعتمدة في المدينة المنورة في قياس المسافات، كما اعتمد في المكاييل مكاييلَ المدينة، وفي الأوزان أوزان مكة المكرمة، فإنه اعتمد في المسافات الأذرع، كان أهل المدينة أكثر ما يستعملون الذراع في قياس المسافات، نعم. طيب، إذًا هذه بعض الإجراءات التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحقيق هذا التماسك المجتمعي، وإذابة الفوارق بين سكان المدينة من المهاجرين والأنصار، هذه بعض الوجوه، نعم، سنأتي إلى وجوه أخرى.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٩‏/١١‏/٢٠٢٠👁 2 مشاهدة
🎬

الجوانب المطوية في #السيرة_النبوية 2 - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي HD

السيرة النبويةالطهارات

✦ فتاوى مشابهة

زيادة سكان المدينة

2 👁

ما الدلالة التخطيطية لزيادة عدد سكان المدينة من نحو 12–15 ألفاً إلى 30 ألفاً في عشر سنوات، وكيف ألّف النبي بين هذه التركيبة المتنوعة لصناعة دولة متماسكة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٨‏/١١‏/٢٠٢٠

دلالة الإحصاء السكاني

2 👁

ما دلالة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بإحصاء عدد أهل المدينة أكثر من مرة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٩‏/١١‏/٢٠٢٠

تميّز تخطيط النبي

2 👁

ما الذي يميز تخطيط النبي صلى الله عليه وسلم لإنشاء الأمة عن أدوار أجداده القرشيين، وكيف يفرق المسلم بين فعل الأنبياء والمصلحين والقادة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١‏/٩‏/٢٠١٩

تميّز تخطيط النبي

2 👁

ما الذي يميز تخطيط النبي صلى الله عليه وسلم لإنشاء الأمة عن أدوار أجداده القرشيين، وكيف يفرق المسلم بين فعل الأنبياء والمصلحين وفعل القادة البشريين؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

علاقة الهجرة بالتعليم

3 👁

هل في حادثة الهجرة النبوية ما يعين على مراجعة استراتيجيات التعليم ونهوض الأمة لتكون أمة وسطا؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١‏/٩‏/٢٠١٩

اكتفاء دراسة السيرة

2 👁

هل ما كُتب عن السيرة النبوية غطى كل جوانبها أم أن هناك جوانب ما تزال محتاجة إلى البحث والتقصي؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢‏/١١‏/٢٠٢٠