⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فإن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام بدر التمام ومسك الختام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، حبلى بالكثير من الدروس والعبر والعظات، وينبغي للمسلم أن يستنبط منها ما ينفعه لحاضره وغده بما يقوي الإيمان في قلبه ويبعث في نفسه الهمة نحو مزيد من الإقبال على هذا الدين الحنيف الذي جاء به هذا الرسول الخاتم.
وكم يحتاج المسلمون إلى ما يبصرهم بكثير من وجوه سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام؛ فمع كثرة ما دُرس وبحث من سيرته العطرة عليه الصلاة والسلام، فإن هذا المدروس المبحوث لا يزال مليئًا بالكثير من العظات والحكم والأحكام. نعم، ولكن مع ذلك كله فإن هناك وجوهًا أخرى من سيرته عليه الصلاة والسلام لم تحظَ بالكثير من الدراسة والبحث والتنقيب.
فقد اعتني بجوانب دعوته عليه الصلاة والسلام وجهاده الدعوي لإبلاغ كلمة الحق إلى الخلق، وبإخلاصه وسجاياه عليه الصلاة والسلام، واعتني كثيرًا بغزواته مع من ناوأ هذا الدين وتكبر عليه. ورغم وفرة ما في هذه الوجوه من دراسات، إلا أنها لا زالت قابلة لتعطي الكثير من الدروس والعبر والعظات.
لكنها – أي أن هذه الدراسات – إذا قورنت بجوانب أخرى من نحو التخطيط الاقتصادي الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأمين جماعة المسلمين ومجتمع المسلمين ودولة المسلمين الناشئة اقتصاديًا، لم تحظَ بالكثير من الدراسة. وكذا الحال إذا ما بحثنا في جوانب القيادة في شخصيته عليه الصلاة والسلام؛ نعم حظيت قيادته العسكرية بالكثير من الأبحاث والدراسات، لكن ما يتعلق بقيادته عليه الصلاة والسلام مدنيًا وإداريًا لم تحظَ بالقدر الكافي من الدراسة.
ما يتعلق – على سبيل المثال – بعنايته عليه الصلاة والسلام بما نعرفه نحن اليوم بقضايا التنمية المستدامة من حيث توظيف الموارد، وحفظ هذه البيئة، وتنمية معيشة الناس، والوصول بهم إلى الرفاه الاقتصادي، وتحقيق الأمن الفكري لهم، كل هذه القضايا لم يلتفت إليها كثيرًا.
لا مما يتعلق بإنجازاته صلى الله عليه وسلم وما حققه المسلمون من انتصارات وفتوحات، لا يمكن أن يكون ناشئًا عن غير تخطيط ورؤية واضحة وتنفيذ يتناسب ومقام عبقرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعبقرية أصحابه الكرام من حوله. نعم، ولذلك فإن هذه الوجوه تحديدًا – تلك التي تتعلق بالأمن الاقتصادي، وبوجوه القيادة المدنية والإدارية في شخصيته عليه الصلاة والسلام، والقضايا المتعلقة بالتنمية المستدامة – هي وجوه لا بد للمسلمين أن يتجهوا إلى دراستها، حينئذ ستكتمل لديهم الصورة بشمولها وجمالها وروعتها.
لأن الحاصل الآن هو قدر من اجتزاء هذه الصور؛ فذلك المتخصص في الفقه – على سبيل المثال – يلتفت في المقام الأول إلى الأحكام الشرعية الواردة في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يلتفت إلى الصورة كلها. وذلك الذي يشتغل – على سبيل المثال – بأخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم كذلك أيضًا يركز على هذا الجانب منبتًّا عما يتعلق بالتربية الإيمانية، والأحكام الشرعية، والتخطيط الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والجوانب العملية الباعثة إلى تنفيذ تلك الرؤية وتحقيق تلك الأهداف.
أما الذي يمكن أن يجمع هذه الوجوه كلها، فإنه حينئذ ستسهل لديه إدراك لما جعل ربنا تبارك وتعالى في شخصه عليه الصلاة والسلام أسوة حسنة لا في وجه من وجوه شخصيته؛ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].
فنحن بحاجة إلى دراسة هذه الوجوه؛ إذ ما جدوى أن نعيد ونكرر قراءة سيرته عامًا بعد عام إحياء لذكرى ميلاده عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي يُقرأ في كثير من الأحيان مليء بروايات ضعيفة أو موضوعة، أو أنها تتعلق بوجوه ليست هي من محل الاقتداء والاتساء، كوصف خلقته عليه الصلاة والسلام، مع كثرة الإطناب في هذه السير المدونة المكتوبة ومع إطرابها للسامعين، لكنها في حقيقة الأمر لا صلة لها بما يتعلق بمحل الاقتداء والاتساء.
ويمكن أن يُضاف ما يتعلق بإدارة الدولة داخليًا وخارجيًا، في علاقاتها الدولية، في صلاتها مع المحيط الخارجي؛ نعم هذه – رغم أنها أيضًا حظيت ببعض عناية – لكنها ليست بالقدر الكافي.