⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أحسنتم دكتور، وأنا أضيف إلى هذه التركيبة السكانية أنهم كانوا متنوعين ثقافيا؛ فهناك الأوس والخزرج لم تجف سيوفهم بعد من يوم بُعاث أو حرب بُعاث، وهناك وثنيون، هناك من تنصَّر من الأوس والخزرج، وهناك من كان ذا دهاء ومنزلة اجتماعية ووجاهة حتى بلغ الحال أنهم كادوا يتوجوه، وهو عبد الله بن أبي بن سلول، هناك اليهود وكانوا قبائل ولهم قراهم وآطامهم، وهناك الأعراب وفيهم أيضا الوثنيون، وفيهم من يدين بالولاء إلى إحدى دولتين: إما إلى الروم وإما إلى فارس، فكانت خليطا منوعا تنوعا عجيبا.
لكن الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام أول ما وصل –بعد أن درس هذا المجتمع، ونحن نعلم أنه كان قد أرسل سفيرا إلى أهل المدينة، إلى المسلمين منهم، وكذا الحال بالنسبة لبيعة العقبة، فقد تعرّف منها على أحوال المدينة المنورة– فإن الخطوات التي اتخذها عليه الصلاة والسلام، وقد كان يسابق الزمن فيها، لم يتوان لحظة في أن يحقق تماسكا اجتماعيا وأمنا مجتمعيا لهذا المجتمع المتعدد المتنوع.
فبين المسلمين أنفسهم عمد إلى المؤاخاة التي تحدثنا فيها في المرة الماضية، غير اسم هذه المدينة، فبعد أن كانت يثرب سماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سماها الله تعالى في كتابه الكريم: المدينة، مدينة الرسول، وسماها هو عليه الصلاة والسلام أيضا طيبة وطاب، وعدَّ بعضهم عشرات الأسماء للمدينة المنورة، لكنه كره اسم يثرب، وفي بعض الروايات أنه كان يؤاخذ من ذكرها باسمها القديم.
أزال الانتساب القبلي المرتبط بالحوادث الدموية التي كانت بينهم؛ فالأوس والخزرج صاروا الأنصار، وهؤلاء المهاجرون إليهم يُعرَفون بالمهاجرين، يعني أعطاهم أسماء جديدة، أعطاهم أوصافا جديدة، هؤلاء هم الأنصار، وقد أثنى الله تبارك وتعالى عليهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]، فكل ما يمكن أن يمت إلى الماضي الدموي الذي يمكن أن يثير فتنة أو يبعث التنازع والتفرق بينهم أطفأه رسول الله صلى الله عليه وسلم إطفاء تاما، واستبدل به أوصافا جديدة تدل على المعاني الحبيبة إلى النفوس، المعاني التي تؤلف بينهم، بدءا من اسم المدينة نفسها.
ثم –وهذا نتحدث عما تلا المؤاخاة، وكان أثناء المؤاخاة واستمر معه عليه الصلاة والسلام– من تغيير اسم المدينة ومن تغيير وصفهم، فلم يعودوا ينتسبون إلى الأوس والخزرج إلا بالمعاني الإيجابية التي يريد أن ينمي فيها ملكاتهم أو أن يذيب شيئا من الفوارق.
على سبيل المثال: هو عليه الصلاة والسلام لما دخل إلى المدينة المنورة دخل من جهة الأوس، مع أن الأوس أقل من الخزرج، حتى في النقباء الذين اختارهم عليه الصلاة والسلام كان عدد النقباء من الأوس أقل من الخزرج، وجعل النقيب على النقباء أسعد بن زرارة –مع أنه شاب بالمناسبة– وكانوا يطلبونه بدماء، لكنه نزل في الأوس، ولما استقر به الحال ودخل عليه أسعد بن زرارة دخل عليه متلثما ليحمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يتسلل بعد ذلك عند الخَوْف، فكان عليه الصلاة والسلام حينما يجتمع إليه الخزرج والأوس يسأل: ما فعل أسعد بن زرارة؟ ما فعل أسعد؟ وهم يذكرونه بأن لهم طلبة عنه فيه، فيسأل ثلاث مرات، أربع مرات، فبدأ ذلك يخفف مما في نفوسهم؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول مقدمه يسأل عنه، فهذا له مكان.
ثم بعد أن رأى أن نفوسهم هدأت قال: هل من أحد يجيره؟ فتعالت الأصوات: نُجير من أجرت يا رسول الله، نُجير من أجرت يا رسول الله، فأزال ذلك ما في نفوسهم، فكان دخوله وتخطيطه للدخول مقصودا، لم يكن أمرا اعتباطيا، هذا مؤشر على ما كان يحققه عليه الصلاة والسلام لتماسك هذا النسيج الاجتماعي المتنوع.
دلالة دخوله من جهة الأوس: هو كان يريد أن يطفئ –أولا هم أقل عددا– فكان يريد أن يشعرهم بالطمأنينة والسكون وأنه معهم ومنهم، وكذا الحال يريد أن يطفئ ما بقي من رواسب بينهم وبين الخزرج.
قلنا في المرة الماضية: حتى لما أتى إلى موضع خروجه من بني عمرو بن عوف فقال: «أمرت بقرية تأكل القرى»، إذ هذه القرى المتناثرة هو يريد قرية تجمعها، وهناك حيث بنى مسجده الشريف عليه الصلاة والسلام.
إذا الآن: المؤاخاة، المسجد، السوق، بقي أمر واحد وهو ما يصل الأنصار والمهاجرين، ما يصل جماعة المؤمنين ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغيرهم من اليهود ومن ساكن المدينة، وهنا جاءت وثيقة الموادعة؛ إذا هذه الإجراءات العملية أراد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المستوى المجتمعي أولا أن يذيب بها الفوارق وأن يكون مجتمعا متماسكا.
ووثيقة المدينة، أو الدستور، أو كتاب الموادعة –أيا ما كان اسمه– كلها منطوية على اللبنة الأولى لبناء هذا المجتمع والتعريف بالحقوق، والدعوة إلى الالتزام والوفاء بهذه الحقوق.
ابتدأ بعد ذلك ما يتصل –كما يقال– بالجانب الديموغرافي: هؤلاء السكان في هذه الأرض، في هذه البقعة، لا بد لهم من أمن مجتمعي، ولا بد لهم من أن تكون مرافق حياتهم مترابطة.
من اللطائف التي لجأ إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا ينتبه لها كثير من الناس أن أصحابه الكرام المهاجرين من المسلمين الأوائل ما سكنوا حوله، وإنما كانوا موزعين في الآطام والقرى حوله عليه الصلاة والسلام بأمره صلى الله عليه وسلم، بإيعاز منه عليه الصلاة والسلام، حتى في اختياره لمن يؤاخيه رأى هذا الجانب، فكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه في جهة، وكان غيره –عبد الرحمن بن عوف– في جهة، وبعد ذلك لما وصل أيضا سيدنا علي بن أبي طالب كان أيضا في جهة، لأن هؤلاء تربوا تربية مختلفة عن الأنصار، ويعرفون ما الذي يوصلونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخبار المدينة، من أوضاع المدينة، من أحوال اليهود وتحركاتهم؛ هؤلاء عانوا الأمرين من أهل مكة، ويعرفون بوادر الأذى والأضرار، يعرفون مكامن الخلل، يعرفون الثغور التي يمكن أن … فلذلك بعثهم عليه الصلاة أولا ليختلطوا بالأنصار وليقدموا نماذج لهم، ثم ليكونوا عيونا له عليه الصلاة والسلام، لأنه يريد أن يؤسس مجتمعا، وكان حذرا للغاية، وأشد ما كان حذره منه عليه الصلاة والسلام هو أذى اليهود…