⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه المسألة في الفقه الإسلامي مسألة واضحة، لكن طائفة من المتصدِّرين للدعوة والوعظ والتفقيه يفوتهم – للأسف الشديد – أن يتنبهوا فيما تقدم من إشارات ما نحتاج إليه مرة أخرى.
هنا أمران اثنان:
أولًا: هم – أي إن المسلمين في المجتمع المكي – كانوا قِلَّة، فلأنهم قلة من مقتضيات الحكمة ألا يُقدِموا على أمر يمكن أن تكون فيه هلكتهم، نعم؛ لأنهم قلة مضطهدة ليس عندها من العتاد والقوة ما تستطيع أن تواجه به جبروت قريش، هذه المرحلة هي مرحلة تأسيس، صناعة للنفوس، وترسيخ لمعاني الإيمان، وتزكية لهذه الثلة المؤمنة بحيث تمتحن في حِلْمها وأخلاقها، وفي ثباتها وصبرها، وفي تعلقها ورجائها لله تبارك وتعالى؛ فلابد من أن تمتحن هذا الامتحان الذي يمكن أن يؤهلها من بعد – حينما تُتاح لها الفرصة – نعم.
أما الأمر الثاني فهو أمر البيعة؛ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع الأوس والخزرج أهل المدينة الأنصار، بايعهم ثلاث بيعات، كان آخرها بيعة العقبة الكبرى، في هذه البيعة – كما يسميها عدد من الفقهاء وتُسمَّى فتح الفتوح – هي البيعة التي وعدوه فيها بالنصرة والحماية وأن تكون المدينة منطلقًا للدعوة الإسلامية، نعم.
إذًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام يؤسس لمرحلة جديدة يكون بناؤها قائمًا على التراضي، نعم، هذا هو معنى البيعة؛ فالبيعة عقد تراضٍ لا إكراه فيه ولا إجبار، جميل، وهذا لا يتأتى في مكة المكرمة؛ لأنهم كانوا قلة مستضعفين، وكانت الغلبة والسيادة والأمر لأهل مكة.
ولذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعض أصحابه إلى الحبشة في هجرات متوالية، حتى – أيضًا، وهذا لا يصح أن يغيب عن الأذهان – إن المهمة الأولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينشر دعوة هذا الدين إلى الناس كافة؛ ولذلك فمن الخطأ أيضًا أن تُصوَّر الهجرة على أنها فرار من الاضطهاد، نعم، هذا أيضًا مما يقع فيه بعض المتحدثين من الوعاظ والخطباء؛ أنهم يصورون أن الهجرة إنما كانت فرارًا من ظلم قريش واضطهادها للمسلمين، لا، لم تكن فرارًا؛ كانت مرحلة أرادها لهم الله تبارك وتعالى، وسعى لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يعرض نفسه على القبائل، ويطلب منهم الجوار، يطلب منهم الحماية، يطلب منهم أن تكون مدينتهم منطلقًا للدعوة الإسلامية، فوجد ذلك عند أهل المدينة، نعم.
إذا هذا هو الذي يجيب؛ ولذلك كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما وصل إلى المدينة المنورة أن بنى مسجدًا، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأبرم ميثاق المدينة… هذا الميثاق – أو هذه الوثيقة – التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل المدينة جميعًا تفهمنا هذا الذي تقدم: أن الأمر إنما يكون ببيعة صحيحة، في أرض تكون لهم، ينطلقون منها، يرجعون إليها، يستقبلون الوفود فيها، يوفرون الحماية لأهلها، يتعاقدون مع غيرهم على أساسها، نعم، ثم إنهم – كما نفهم أيضًا من حادثة الهجرة – كما يعتنون بالجانب الديني الخالص، جانب الشعائر التعبدية المتمثل في تشييد المسجد في أسمى معانيه لذكر الله تبارك وتعالى ولإقامة شعيرة الصلاة، فإن هذا المسجد أيضًا يحمل رسالة اجتماعية دعوية سياسية تعليمية، وكل هذه الرسائل تحققت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك نجد العمل الإيماني التعليمي الذي تمثل في إقامة المسجد، ونجد الترابط الاجتماعي الذي تحتاج إليه أي دولة – لا سيما في نشأتها – فيما اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار الذين كانوا لمدة طويلة من الزمن في صراع وقتال أورثهم ضعفًا وذلة مكَّن اليهود من السيطرة على أوضاع المدينة المنورة، لا سيما في جانب التجارة والاقتصاد، نعم، كما اتخذ تدابير اقتصادية لتعزيز قوة هذه الدولة الناشئة وهذا المجتمع الوليد لكي يكون مستقلًّا قائمًا بذاته، ولذلك عمد أيضًا إلى توقيع هذه الاتفاقيات، وبدأ بعدها في مرحلة استرداد حقوقهم التي سلبها منهم أهل مكة، لأن معنى الدولة حينئذ تحقق لهم، نعم.
إذا فكلا المرحلتين: المرحلة المكية والمرحلة المدنية، لابد أن يوضعا في إطارهما الزمني، وأن تُؤخَذ منهما الأحكام الفقهية وفقًا أيضًا لما يواجهه المسلمون في واقعهم المعاصر… المرحلة المكية كانت – كما تقدم – مرحلة تأسيسية للدعوة إلى الله تبارك وتعالى، ولصناعة هذه النفوس، ولتهيئة الظروف والأحوال، وما كانت تصلح لإقامة الدولة لأن المسلمين كانوا فيها قلة… حتى إذا كانوا كثرة في مجتمعهم، في أرض هي لهم، وتراضَوا بعقد صحيح، نعم، فإنهم حينئذ ينطلقون إلى مرحلة أخرى مختلفة لها أحكامها وتشريعاتها.