⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذا الذي اختاره الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينطوي على كثير من الحكم والدلالات، وذلك بأن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه الكرام من مكة المكرمة إلى مهجر في المدينة المنورة؛ لأن هذه الأطوار التي مرت بها الدعوة الإسلامية بدءا من مرحلة السرية التي قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات يختار فيها من يدعوهم من أهل الرأي والحكمة وممن يتوسم استجابتهم لهذا الدين، وممن يمكن له أن يحفظ سر هذه الدعوة الوليدة الناشئة لرد الناس إلى دين الله القويم، ثم الانتقال بعد ذلك إلى الدعوة العلنية في العشر سنوات التالية للسنين الثلاث الأولى، ثم بعد ذلك الهجرة إلى المدينة المنورة، كلها تؤكد أن هذه الدعوة الخاتمة والرسالة الجامعة التي انطوت على ميراث النبوات السابقة إنما جاءت لإتمام تشييد صروح الحق وإقامة معالم الهدى وبسط الأمن والسلم في هذه الأرض، ورد الناس إلى دين الله عز وجل توحيدا وعبودية خالصة له، وإصلاح في كل مظاهر هذه الحياة عبر إصلاح النفوس أولا، وغرس الإيمان الصادق والعبودية الحقّة لله تبارك وتعالى وحده لا لأحد سواه، مع تربية هذه النفوس بالأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة، وبسط أسباب العيش الكريم في كل مظاهر الحياة في الجوانب المعيشية الاقتصادية، في الجوانب الفكرية والعقلية والعلمية، كما في الجوانب الاجتماعية وفي صلة الناس ببعضهم البعض.
ولهذا فإن الهجرة لا تمثل مرحلة من أطوار هذه الدعوة فقط، بل إنها المرحلة التي انتقل فيها المسلمون من كونهم جماعة لا مأرز لهم ولا مأوى، هذه الجماعة تعاني من الأذى والاضطهاد والتعذيب والتشريد والاستهزاء والسخرية ما هو غير خاف على أحد، لكي تنتقل بعد ذلك إلى مرحلة البناء الذي يقوم على أساس من المجتمع والأرض وبناء مقومات الدولة الناشئة التي تبسط العدل، وتتعامل مع سائر الناس، وتنشر رسالتها في هذه الأرض، وتقيم مقومات بناء الدولة من الجيش اللازم لها؛ إذ لا يغيب عن الأذهان أنه بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعام واحد كانت غزوة بدر الكبرى، ونصر المسلمين في غزوة بدر دليل على أن مرحلة الإعداد السابقة مكنتهم بفضل الله سبحانه وتعالى وبنصره لهم من بلوغ مرحلة يكونون فيها أندادا لأعدائهم، يبعثون فيهم الهيبة، ويتمكنون من خلال ذلك من نشر رسالة هذا الدين في هذه الأرض.
إذا هذا الذي اختاره الله عز وجل لنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مرحلة الصبر على الأذى وإعداد النفوس وتربية المسلمين على احتمال الأذى وعلى تحمّل الشدائد وعلى الثقة بوعد الله سبحانه وتعالى، والأخذ بكل الأسباب الداعية إلى تحقيق النصر، توّجت بعد ذلك بهذه الهجرة إلى بناء مجتمع يكون النواة اللازمة لتأسيس دولة بما تشتمل عليه من أنظمة ومن مظاهر حياة كريمة ومن علاقات داخلية ودولية تمكنهم من أن يبلغ هذا الدين بعد ذلك مشارق الأرض ومغاربها.
ولو كان الحال على غير ذلك بأن يلجأ أو أن يعمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه إلى المواجهة العسكرية لكانت النتيجة أن تُباد هذه الجماعة، وهذا نأخذه من دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة بدر: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض أبدا»، فإن الذي كان عليه الحال في مكة المكرمة من تسلط بغاة المشركين الطغاة الظالمين المستبدين بالمسلمين، ومحاولة استفزازهم لأي عمل حربي قتالي كان يتوقع من خلاله المشركون أن يتمكنوا من إبادة المسلمين واستئصالهم، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المسدد بالوحي، وهو المعلِّم لهذه الأمة، كان يوصي أصحابه ويصبرهم ويحملهم على احتمال الأذى، ويبشرهم بوعد الله سبحانه وتعالى لهم، ويوجد لهم المخارج، ويبحث عن متنفس جديد يمكن أن تبلغ فيه هذه الدعوة ما تصبو إليه من هداية الناس ومن حملهم على الصراط المستقيم حتى تتهيأ نفوسهم بعد ذلك للمرحلة القادمة، فأنجز الله سبحانه وتعالى ما وعده إياه، ولذلك كانت حادثة الهجرة حادثة فاصلة في تاريخ هذا الدين بل في تاريخ الإنسانية؛ لأنها تمثل المرحلة الفاصلة بين الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، وبين الإشراك بالله تبارك وتعالى وتوحيده وعبوديته.