⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. أما بعد، فإن الله عز وجل يقول في محكم كتابه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].
هذه الخيرية التي وصف الله سبحانه وتعالى بها هذه الأمة في هذه الآية الكريمة من سورة آل عمران، كما وصفها بأنها أمة وسط في قوله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، لا شك أن هذا الوصف إنما يراد به حقيقته التي تدفع المؤمنين جميعًا إلى مزيد من الإيمان الراسخ بالله سبحانه وتعالى، والعمل الصالح، وعمارة هذه الأرض بما ينفع الناس جميعًا.
ولذلك فإن مظاهر خيرية هذه الأمة التي بها استحقت أن توصف بهذا الوصف الرباني الخالد إنما تكمن في العقيدة الحنيفية التي أكرم الله عز وجل بها هذه الأمة، وتتمثل في المعجزة الخالدة التي أنزلها الله تعالى على هذه الأمة على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم لكي تبقى باقية إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وفي عالمية هذه الرسالة الخاتمة الجامعة.
وهذا نفهمه من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وفي قوله جل وعلا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [ص: 87]. فإذا العقيدة الحنيفية، والرسالة الخاتمة المتصفة بالعالمية، وبالرحمة للإنسانية جميعًا، وبالمعجزة الخالدة القرآن الكريم، وبما أكرم الله سبحانه وتعالى به هذه الأمة من يسر شريعتها ورفع الآصار ووضع الأغلال عنها، هي في الحقيقة أسباب أو مزايا استحقاق هذه الأمة لكي تُوصف بهذه الصفة: أنها خير الأمم.
وهذا يعني أنها من حيث ذاتها هي في حقيقتها موصوفة، متصفة بهذه الصفة، لكن لا بد لها أن تلجأ إلى ما يحافظ لها على هذه المحاسن؛ أي أن ما تمتاز به هذه الأمة من محاسن ومزايا هو ما أشار إليه ما نجده في عموم هذه الرسالة الموصوفة في كتاب الله عز وجل بمثل الصفات التي ذكرتها: من كونها للعالمين، ومن كونها رحمة للناس جميعًا، ومن كون خطابها خطابًا إنسانيًّا عامًا، ومن كون موضوعها هو هذا الإنسان، ومن كونها تجتمع فيها كمالات الرسالات السماوية السابقة بنص قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
هذه جميعًا تمثل للأمة خيريتها، لكن قِوام وبقاء ومحافظة هذه الأمة على كل هذه المحاسن إنما يكون بما وصف الله سبحانه وتعالى في هذه الآية، وهي: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله.
أي أن هذه الصفات الثلاث ليست هي أسباب كون الأمة موصوفة بالخيرية، لكنها هي أسباب، أو أركان قيام، بقاء، ومحافظة هذه الأمة على خيريتها. أما خيريتها فمتحققة من مجموع عقيدتها وشريعتها وإنسانية رسالتها، ورحمة تشريعاتها، ويسر ما فيها من أحكام، وما تدعو إليه من أخلاق، وما أكرمها الله تعالى به من معجزة خالدة، إذا هذه الصفات التي عددتها الآية لهذه الأمة هي صفات مشروطة وليست أوصاف قيام؛ لا بد أن تتوفر فيها حتى تكون خير أمة.