مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

سر أهمية هذه الشعيرة

ما السر في الاهتمام الكبير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكيف تُعد مقياساً لخيرِيّة الأمة؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم بالنسبة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ريب أن قوام أمر الأمة إنما يتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما معقد الارتباط فيما بينهما، كما هو واضح في القرآن الكريم، فالأمة مطالبة بأسرها أن تكون أمة آمرَة بالمعروف ناهية عن المنكر، إذ الله تعالى يقول: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104]، وليست هنا «من» للتبعيض، وإنما هي للبيان، فإذن الأمة بأسرها مطالبة بأن تكون أمة آمرَة بالمعروف ناهية عن المنكر، وبهذا تكون أمة خيّرة تفوق الأمم جميعاً، لأنها تحمل رسالة السماء إلى الأرض، تحمل رسالة الله سبحانه وتعالى إلى الخلق من أجل إنقاذ هذه الإنسانية الضالة الحائرة، وإخراجها مما هي فيه من الظلمات إلى ما يريد الله سبحانه وتعالى أن ينقلها إليه من النور. ثم بجانب ذلك نحن نجد الأمر واضحاً بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بهما وبما يُحفَظ بهما من واجبات الدين يكون الترابط ما بين هذه الأمة، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، وهذه الولاية التي تشد المؤمنين والمؤمنات بعضهم إلى بعض هي رباط يربط بينهم حتى يصبحوا كالنفس الواحدة، حتى يشعر كل فرد من أفراد المؤمنين والمؤمنات بما يشعر به الآخر، كما يدل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ». وقد بيّن الله سبحانه وتعالى معقِد هذا الارتباط عندما قال بعد ذلك: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 71]، ومعنى ذلك أن هذه الولاية لا تتم إلا باستجماع هذه الخصال بأسرها، وترون أن الله سبحانه وتعالى بدأ هنا بذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل ذكر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، مع أنه من المعلوم أن إقام الصلاة هو الركن الثاني من أركان الإسلام، وهو الركن العملي الأول من أركان الإسلام، والزكاة هي صنو الصلاة، ولذلك تأتي رديفة لها وقرينة لها في آيات القرآن الكريم، وهي الركن المالي من أركان الإسلام، وهي بالنسبة إلى مجموعة الأركان الركن الثالث من هذه الأركان جميعها، ومع هذا بدأ الله سبحانه وتعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل ذكر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. لماذا ذلك؟ لأن المحافظة على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما فرض الله سبحانه وتعالى، والمحافظة على سائر طاعة الله تعالى ورسوله كما فرض الله سبحانه وتعالى، إنما تتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما السياج للإسلام كله؛ فبهما يُحفَظ الإسلام ويُحافَظ عليه، وبهما يُوقَى هذا الإسلام كلَّ شرٍّ يحاول الشيطان أن يزعزع به هذا الدين الحنيف ويهُدَّ به أركانه ويقوِّض به بنيانه. فإن الله سبحانه وتعالى جعل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قمعاً لهذه المكائد التي يحاول الشيطان أن يلبِّس بها على هذه الأمة دينها، فبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُقضى على كل فساد في الأرض، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُحفَظ هذا البناء، بناء هذا الدين الشامخ المكين، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُحفَظ بناء هذه الأمة حتى تكون أمة مترابطة، كل فرد من أفرادها لَبِنة في بنائها، تكون هذه اللبنات بأسرها، كل واحدة منها يشدها إلى الأخرى ما يشدها من رباط هذا الدين الحنيف، فلذلك بدأ الله سبحانه وتعالى بذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أن يذكر إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وكذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى في محكم الكتاب العزيز ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مقام ذكر خيرية هذه الأمة قبل أن يذكر الإيمان، مع أن الإيمان هو الأصل، الإيمان هو الذي تقوم عليه الأعمال وتقوم عليه الأخلاق، وبدون إيمان لا يكون هنالك خُلُق ولا يكون هنالك عمل، وإنما الإيمان يُحفَظ كما تُحفَظ بقية أركان الإسلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذلك قدّم الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندما قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ؛ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، فبهذا إذن يتبين كيف أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة الأمة، ليسلَم دينها، ولتسليم هذه الأمة بهذا الرباط الوثير رباطِ الإيمان الذي يشد جميع أفرادها -مهما كان عددهم في آفاق الأرض- بعضهم إلى بعض، ليكونوا جميعاً حيثما كانوا لَبِناتٍ حيةً في بناء هذه الأمة. فلذلك يجب على هذه الأمة أن تهتمَّ بالأمر بالمعروف وأن تهتمَّ بالنهي عن المنكر، ونحن نجد في كتاب الله تعالى ما يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهما وبإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يُنصَر الله سبحانه وتعالى، ويستمد العباد النصر من عند الله، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ؛ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ؛ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 40-41]، وهذا يعني أنه من الواجب على الأمة في نهضتها وفي كل تصرفاتها أن يكون هدفها هو هذا الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية الكريمة، فهي إن جاهدت إنما تجاهد لهذه الغاية النبيلة، وإن فتحت فإنما تفتح لهذه الغاية العظيمة، وإن سالمت أو حاربت فإنما ذلك من أجل هذه الغاية العظيمة؛ من أجل إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهكذا السلف الصالح، فإنهم انطلقوا في أرجاء الأرض حاملين مشاعل هذه الهداية إلى الناس، وهم في انطلاقهم هذا كانوا يتحدَّون القوى الكبرى التي تقف في سبيلهم لتعوق مسيرتهم، وقد استطاعوا أن يتخطَّوا جميع العقاب، وأن يتحدّوا جميع الصعاب، وأن يصلوا إلى الغاية المنشودة، ذلك لأنهم كانوا يجعلون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هدفهم الأسمى، والغاية من كل ما يفعلون أن تُقام الصلاة وتؤدَّى الزكاة، ويُؤمَر بالمعروف ويُنهى عن المنكر. وهذا واضح في رسالة الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى سعد بن أبي وقاص عندما كان على رأس الجند في محاربة قوى الكفر بأرض الأكاسرة، فقد وصّاه ووصّى الجند من خلاله بما وصّاهم به من الخير، وبيّن لهم خطورة الانحراف عن الحق؛ يقول في وصيته: «أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال؛ فإن تقوى الله أفضل العدة في الحرب، وأقوى المكيدة على العدو، وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا أشدَّ احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم؛ فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصَر المسلمون بمعصية عدوهم لله، فإن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا لم ننتصر عليهم بفضلنا، لم نغلب بقوتنا، واعلموا أن في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شرٌّ منا فلن يُسلَّط علينا؛ فربَّ قومٍ سُلِّط عليهم من هو شرٌّ منهم، كما سُلِّط على بني إسرائيل كفارُ المجوس فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً. وأسأل الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله ذلك لي ولكم». نعم، هكذا كانت هذه الوصية هي بمثابة القوة الفاعلة في ذلك الجيش الذي خرج منتدَباً لنصرة الله تعالى ورسوله، وإقامة دينه وشعائره في هذه الأرض، ودحر القوى الكافرة العاتية التي كانت متمردة في الأرض. ولا ريب أن الأمة عندما أخذت بحُجز هذا الأمر واعتصمت بحبل الله تعالى المتين، وحرصت على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحرصت على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، استقام لها أمرها، وكما قيل: "إن استقمنا استُقيم لنا"؛ فبقدر ما يكون الإنسان عليه من الاستقامة والرشد، يستقاد له، يهيئ الله سبحانه وتعالى له من الأسباب ما يجعلها متفاعلة ومنسجمة مع الاستقامة التي يقيمها. والله تعالى المستعان.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣١‏/٥‏/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الحلقة 1)

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

أهمية الأمر بالمعروف

2 👁

ما أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المحافظة على حب الإنسان لوطنه وتقديره له؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٨‏/١١‏/٢٠٢٢

الخيرِيّة والأمر بالمعروف

2 👁

هل وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصة بطائفة معينة أم يجب أن تكون قاسما مشتركا بين جميع المسلمين بحيث تدعو إلى الألفة لا الفرقة؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

معيار خيرية الأمة

2 👁

كيف وصفت أمة الإسلام بأنها خير الأمم، وما المميزات التي جعلتها مستحقة لهذا اللقب العظيم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

فردية الأمر بالمعروف

2 👁

هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فردي على كل مكلف أم هو منوط بالحاكم وحده ينظمه كما يشاء؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/٤‏/٢٠٢٢

موقف الناهي عن المنكر

5 👁

ما الواجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر تجاه العاصي بعد نصحه في ضوء حديث أول ما دخل النقص على بني إسرائيل؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٩‏/٦‏/٢٠٢٦

أهمية المسلم الداعية

2 👁

ما أهمية أن يكون المسلم داعية إلى الله وما منزلة الدعوة في الإسلام؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٥‏/١٢‏/٢٠١٤