⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فلأن الذي تقدم يدور حول الأسس والقواعد التي تُبنى عليها الأوطان، ما من بناءٍ إلا وهو بحاجةٍ إلى قواعد وأسس متينة راسخة تُشاد عليها صروحه وتُبنى عليها أمجاده، وتقوم عليها نهضته، فتلك المأمورات والمنهيات هي هذه الأسس والقواعد التي يقوم عليها بناء الوطن الشامخ.
كذلك فإن هذا البناء لا بد له من سقفٍ يحميه من كل ما يمكن أن يؤثر عليه، يوفر هذا السقف لساكني هذا البناء الأمن والأمانة والطمأنينة، ويوفر لهم ما يقيهم من لَأْواء هذه الحياة وفتنها وعواصفها. هذا السقف هو الذي أشرتم إليه في السؤال بأنه المقومات التي تحفظ هذا البناء.
فتلك المأمورات والمنهيات كانت بمثابة القواعد والأسس، حتى نفهم بناء هذا البناء الوطني الذي نتحدث عنه، ويسهل علينا أن نتصوّر كيف نحافظ عليه، ما الذي يحتاجه منا، وما الذي نحتاجه إليه منه، فإن هناك من المقومات ما يوفر الحماية والصيانة لهذا البناء.
هذه المقومات تبدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إنها تقوم على حُسن الأخلاق، ونحن نتحدث عن البناء المعنوي للأوطان، وأخصّ هذه الأخلاق إلى الحد الذي يدعونا إلى إفرادها بالذكر: التآخي بين أفراد أبناء هذا الوطن، والتكامل… تتحقق لهم الصيانة من العواصف الهوج التي يمكن أن تؤثر على هذا البناء.
أربعة أشياء الآن، أربعة أشياء، لكن في صدارتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودليله الشرعية هو في صلب موضوعنا، وهو حديث النعمان بن بشير عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً لم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن يأخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً».
هذا هو الأساس الذي يبين لنا أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حفظ الأوطان، وفي حمايتها من العواصف والتيارات التي يمكن أن تقلب سفينتها ظهراً على بطن. وهو – سياجُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – حديثُنا عن حديثاً تقليدياً، فنحن عندنا ركنان هنا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الأمر بالمعروف هو توفير كل ما يحتاج إليه الوطن من أسس تشريعية، ومن نظام يحفظ حقوق الأفراد، ومن إيجاد للأسس التي تحدثنا عنها فيما مضى من العدالة والحق والإصلاح، ومن إيجاد الألفة والمحبة بين الناس. الحاصل: هو عمل، أو فعل موجب، يؤدي إلى البناء، ويؤدي إلى التماسك، ويؤدي إلى التهيئة والاستعداد لكل الظروف والأحوال التي يمكن أن يواجهها الوطن.
والنهي عن المنكر يتعلق بجانب درء الشبهات، وإطفاء الشائعة، ونبذ أسباب الضعف والهوان والذلة، وحمل أبناء الوطن على المكارم، وعلى معالي الأمور، وعلى الطموح الذي يبلغهم الدرجات الرفيعة من الشرف والعز، ويحقق لهم ولوطنهم الشرف والعزة والكرامة.
إن فهمنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذا المفهوم، تقبّلته نفوسنا؛ لأن نفوس بعض الناس تضيق حينما يُصنع نُصح، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، وقد لا تتقبل نفسه – إن كان في موضع قرار أو كان صاحب مسؤولية – قد تضيق نفسه ذرعاً بما يسمع من نصائح وبما يُلقى عليه من أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وما كان ينبغي له ذلك.
لكن حتى يَسهُل عليه، وهم جميعاً في سفينة هذا الوطن، فعليه أن يفهم، أن يعي، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثاله مثال هذه السفينة، وأنه لا بد له لبقاء هذا المجتمع، قبل أو لم يقبل، سمع أو لم يسمع؛ لأن الله تبارك وتعالى حينما نعى على بني إسرائيل ما كانوا يقعون فيه، وما أدى إلى زوالهم وزوال شوكتهم، قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: 79]، فأظهر ما عاتبهم عليه هو تركهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وحينما أثنى على هذه الأمة فإنه ذكر أبرز خصالها وأهم خصائصها فقال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، إذاً عندنا طرف الإيجاب وطرف السلب.
أقصد بطرف الإيجاب ما يتعلق بالأمر بالمعروف، وهو البناء العلمي والمعرفي والتشريعي والأخلاقي والتربوي اللازم لصناعة هذا الإنسان، اللازم لبناء فكره ومعرفته وثقافته وتأسيسه مؤطّراً بالحق، باسطاً للعدالة، متقبلاً لها، لكن هذا السياج كله لا بد له من الجانب الآخر الذي هو النهي عن المنكر.
فإذا ظهرت دواهٍ رُوِّعَتْنا، أو صارت في الناس إشاعة، أو تقوّضت أو ظهرت مخايل لتقويض أركان المجتمع – لأي وسيلة كانت: بخيانة، برِشاً، وفساد، بأي وجه من الوجوه – فإن الذي يعصم من الانزلاق إلى هذه المهاوي التي يمكن أن تقوّض بناء المجتمع إنما هو النهي عن المنكر، بمعنى المبادرة وعدم الإبطاء أو التسويف والتأجيل.
هذا أيضاً نفهمه من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]، هذا الإعداد لهذه القوة بحسب الاستطاعة هو لأجل الردع؛ لا يتحدث عن الإعداد لحظة المواجهة، وإنما هذا فعل سابق يأتي قبل بلوغ تلك المرحلة.
مما يعني أنه إن ظهرت بوادر يمكن أن تؤثر على الوطن، يمكن أن تنخر فيه، أو أن تقوّض شيئاً من أركانه، أو أن تنتقص من منزلته ومكانته بالباطل، فإن على أهل هذا الوطن أن يبادروا إلى إصلاح الأحوال، وإلى التصدي لمثل هذه الفتن، وإلى التعاون على نبذها والتغلّب عليها، وأن يكونوا دوماً في حالة من الأهبة والاستعداد لمواجهة مثل هذه الحوادث.
… والله تعالى أعلم.