⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، هذا ذكرنا بالسؤال، إذا بالفعل في قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، إرساء لمبدأ عظيم. هذا المبدأ في حقيقته جزء من منظومة متكاملة، هذه المنظومة أرستها قواعد هذا الدين الحنيف وأركانه، فجعلت العلاقة التي تربط بين المنتسبين إليه علاقة أسمى من علاقة الدم والنسب، فهي عصبة الأخوة الإيمانية، وهي من أوثق الأواصر وأقوى الروابط، فمعها تذوب القرابات والأرحام ولا تزيدها إلا متانة وقوة، فهي الأصل وغيرها فرع تابع لها.
وهذا المبدأ في حقيقته يحمل تكليفا للمنتسبين إلى هذا الدين، وهذا هو الذي يمايز أمة الإسلام عن غيرها من الأمم والشعوب التي يمكن أن ترتبط بروابط الأرض أو النسب أو العرق أو الفكر أو الثقافة أو أطروحات ما، لكن الذي يوجد في هذا الدين هذه العصبة هي عصبة إيمان بالله تعالى واليوم الآخر، هي علاقة عدل وإحسان، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾، وحينما علق هذا الحكم على مشتق وهو "المؤمنون" اسم فاعل بصيغة الجمع دل على أمرين: دل على أن الإيمان هو سبب هذه الأخوة، ودل على أن هذا الوصف يصدق على المنتسبين جميعا إلى هذا الدين، فليس هو شعارا يرفعه الفرد ويدعيه إذ يستحيل أن يعمله في نفسه مع خاصة نفسه، وإنما المقصود من ذلك توسيع هذه الدائرة بحيث تشمل كل هذه الأمة، أمة الإجابة، أمة الإيمان بالله تبارك وتعالى واليوم الآخر.
وبناء على ذلك فإن هذا المبدأ يحملهم مسؤولية إقامة أود حياتهم على وفق هذا المبدأ، فلئن كان المبدأ، أو لنقل الشعار، هو شعار الأخوة، فإن ذلك يحمل تكليفا عليهم وهو التآخي فيما بينهم، أي أن ينشئوا هذا التآخي، وهذا هو الذي جاءت به النصوص الشرعية؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، ويقول: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، فخيرية هذه الأمة ثبتت بما في هذا الدين من محاسن، لكن قوام هذه الخيرية إنما يكون بهذا الوصف: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، ثم ذكرهم بهذه الآصرة التي تربطهم جميعا فقال: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
ولأهمِّيَّة حفظ هذه الآصرة وإقامة هذا المبدأ فإن الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة قدم ذكر ما به قوام هذا المبدأ وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾.
إذن هذا هو الذي يميز مجتمع المسلمين، وهو الذي يعرِّف بهم، وهذا الإيمان بعقيدته وشريعته وأخلاقه هو الهوية التي صبغ الله تبارك وتعالى بها المسلمين جميعا، ورسم لهم هويتهم في هذه الحياة الدنيا، وميَّزهم عن غيرهم من الأمم، وأرشدهم إلى ما يحفظ لهم هذا التميز، وما يقيم لهم أود حياتهم، ويجعل هذا التآخي حقيقة واقعة فيما بينهم.
فدعاهم إلى إصلاح ذات البين؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، مرة أخرى يذكرهم بالإيمان، ويدعوهم إلى استلال أسباب الفرقة والتنازع، ولذلك قال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
نعم، كلها تعزِّز الجانب الخلقي في هذه الأوصاف، أو في هذا الوصف الجامع الشامل الذي وصف الله تبارك وتعالى به عباده المؤمنين، ويحفظ لهم هذه المنزلة السامقة التي رفعهم إليها وبوأهم فيها.