⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الإخوة المقصود بها – أو التآخي هنا – أولاً هو يستند ولا شك إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، ويستند إلى مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، وإلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، لا يحقره».
فهو أُسُّ البناء الأخلاقي بين بني الوطن الواحد، ونحن نتحدث عن مجتمع المؤمن، كما تقدّم أن أولى أسسه وقواعده الإيمان بالله والعمل الصالح، التي تجمع بني هذا الوطن هي عاصمة الأخوة الإيمانية، وهي مقدمة على كل العلاقات الأخرى، وعلى كل الأواصر والروابط التي يمكن أن تربط بين الناس.
فإذا أُضيف إلى هذا المعنى ما يتعلق بالانتساب إلى الوطن… حينما يتذكر أن بني وطنه إخوةٌ له، وأن عليه أن يسعى في مصالحهم، وأن عزّه من عزّهم، وأن الخير الذي يصيبهم سيناله منه حظ وافر، وأن أصابهم سوءٌ فإنه سيتألم لآلامهم، فإن هذه الركيزة هي التي تساعد على متانة هذا المجتمع.
هناك كثير من الأوطان تهتم بتشييد الماديات – كما يُقال في الفقه قديماً: تشييد الحصون والقلاع، ووسائل الدفاع، وما يحتاج إليه الناس في معاشهم – لكن من الذي يمكن له أن يكون وراء هذه المادية؟ إنما هو الإنسان، ولا يمكن للإنسان في وطنه أن يعمل منفرداً.
فلذلك كان استشعار وجود هذه الأخوة الإيمانية، ولزوم توفية حق هذه الأخوة، من أهم الأسس التي تحفظ كيان هذا المجتمع، وتمنع أن تسري إليه أسباب الضعف والهدم، وهي الركيزة التي تُبنى عليها أُطُرُ العلاقات الأخلاقية – أو المنظومة الأخلاقية – التي تُبنى عليها الأوطان.
فإذاً الأخوة الإيمانية هي أُسُّ مكارم الأخلاق ومحامدها التي تربط بين الناس. هذا المعنى لا يمكن أن يُفرِّط فيه بنو الوطن الواحد، عليهم أن يستحضروا وأن يتذكروا ما ورد فيها على سبيل الميثاق.
قد يحصل اختلاف بين الإخوان، لكن هذا لا ينبغي أن يدعو إلى التنازع والشقاق داخل الأسرة الواحدة، وأن يحرص كلٌّ منهم على أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يؤدي له حقوقه.
تَصَوَّر لو أننا – على سبيل المثال – حتى في المؤسسات التعليمية أو في مؤسسات الوظائف، أن ينظر ربُّ العمل إلى العامل على أنه أخٌ له، أما يدعو ذلك إلى أن يكون حريصاً على ما ينفعه، وأن يوفّيه حقوقه، أن يبادر إلى مباسطته، وإلى أن يعلي من شأنه؟ فإذا فعل ذلك فإن الوطن يعلو ويرتفع.
أما إذا كان بناء هذه العلاقات إنما هو على أساس المغالبة والتنافس المذموم، وعلى أسسٍ من التحاسد والحقد فيما بينهم، فإن ذلك يُؤذِن بانتشار الأمراض بين الناس – أي أمراض القلوب – بتشتتهم وافتراق كلمتهم وزوال أمرهم.
ولذلك فإن الأمم التي تنهض هي تلك الأمم التي تستحضر هذه المعاني. هذا ما يمكن أن يُقال في هذا العنصر، وهو عنصر الأخوة.
ولذلك كان من أول ما ركّز عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار بعدما هاجر إلى المدينة المنورة… والله تعالى أعلم.