مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

توجيه النصوص لخدمة الوطن

كيف نوجه الآيات والأحاديث التي تأمر بهذه المأمورات وتنهى عن هذه المنهيات لتكون في خدمة الوطن مع أن هذه القيم مطلوبة من المسلم في كل مكان؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا: قلتُ بأن المأمور به الأول هو الإيمان والعمل الصالح، هذا مأخوذ من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ يعبدونني لا يشركون بي شيئًا. فالله تبارك وتعالى تكفَّل لهؤلاء الذين يأمرهم بهذه الأوامر بصيغة الوعد ببيان ما يتحلَّون به، حينما قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ما الذي تكفَّل لهم به؟ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ و﴿لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ و﴿لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾. ولهذا نتذكر أن إبراهيم عليه السلام كان في دعاءٍ قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾؛ فالإيمان والعمل الصالح والعبادة لله تبارك وتعالى هي أساس تشييد صروح الأمن الشامل؛ مجتمعيًّا، أو أمنًا معيشيًّا، أسُّه هو الإيمان بالله تبارك وتعالى والعمل الصالح، هذا ظاهر في هذه الآيات الكريمة. كما نجد في المقابل أن الله تبارك وتعالى أهلك القوم الذين كفروا بالله تبارك وتعالى وجانبوا الصراط المستقيم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۝ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ۝ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ۝ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ۝ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ۝ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ۝ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾، هكذا فعل بقوم نوح، فعل بقوم هود، وبقوم صالح، وبقوم ثمود، وبقوم شعيب. تتكرر العبر والعظات في كتاب الله عز وجل لتؤكد لنا هذا المعنى؛ فحسن التديُّن لله تبارك وتعالى بالإيمان والعمل الصالح هي من أقوى العوامل التي تدعو إلى التمكين في الأرض، وإلى استتباب الأمن بكل صوره وأنواعه، وإلى إزالة أسباب الفساد التي تدعو إلى هدم أركان هذا المجتمع وتقويض بنيانه. يعني الإيمان والعمل الصالح. المأمور به الثاني هو العلم؛ طبعًا لا يمكن لأحدٍ أن يجادل في منزلة العلم في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولو لم يكن من شأن العلم إلا أن أول آية نزلت من كتاب الله عز وجل كانت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، مما يعني أن هذه الحضارة التي يُراد إقامة صروحها وتشييد بنيانها هي حضارة قائمة على العلم، وعلى نفي أسباب الجهل. ولهذا نجد: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾، نجد: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾، نجد: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. والعلم المقصود هنا هو نوعان؛ لأنه تأسيس معرفي شامل، فهو اكتساب العلم اللازم لسعادة هذا الإنسان في الحياة الدنيا ولسعادته في الآخرة، ولتمكنه من ردِّ الشبهات، ودحض الأباطيل، وإقامة الحجة على مبادئه وقيمه، والثبات عليها على علمٍ وبصيرة. آيات العلم، ومنهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بناء مجتمعه المسلم في المدينة، مجتمع المسلمين في المدينة المنورة، كلها أدلة مشاهدة على أن بناء الأوطان لا يمكن أن يكون إلا بالعلم، وهذا أيضًا ما يخبرنا به ربنا تبارك وتعالى عن أحوال الأنبياء والرسل قبل نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ما سخَّره لهم ربهم تبارك وتعالى كله شاهد على أن ذلك إنما كان بدعوة الناس إلى العلم والتعلم ونفي الجهل، ونبذ الخرافات والأساطير، والإقبال على اكتساب العلم النافع والمعرفة التي يتمكنون بها من حفظ دينهم وبناء مجتمعاتهم. فما يتعلق بالعلم أظن أن أحدًا لا يمكنه أن يحاجَّ في ما يتعلق بمنزلته في الدين أو في أثره في بناء المجتمعات والأوطان. يلخص لنا ربنا تبارك وتعالى دعوة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاث كلمات: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾، يخاطب بها المشركين ويخاطب بها المنافقين ويخاطب بها أهل الإيمان؛ أن شعار هذا الدين إقامة العدل، أن شعار هذا الدين إقامة العدل: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾، وهو تأكيد لما في كتاب الله عز وجل حينما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. يتأكد هذا المعنى في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾. والله تبارك وتعالى يبين أن هذه الحياة، هذا الكون بكل ما فيه، إنما هو قائم على ميزان العدل: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۝ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ۝ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾. فالعدل هو أسُّ بناء المجتمعات، وهو الذي يضمن توفية الناس لحقوقهم، ورفع الظلم عنهم، وكفِّ يدِ الباغي عنهم، ومنع عدوان من تسوِّل له نفسه أن يعتدي على حقوقهم أو على الحقوق العامة أو على الأموال العامة أو على شيء مما يمكن أن يكون من أنواع الظلم ومجاوزة الحدود والعدوان؛ فإن الذي يردع هؤلاء جميعًا إنما هو نصب ميزان العدل بين الناس، هو الذي يحفظ الحقوق للناس. ولهذا فإن هذه الشريعة أكدت: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. ويقصُّ لنا ربنا تبارك وتعالى عن الأمم، ودعوة الأنبياء والمرسلين لأممهم وأقوامهم قبل نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم التأكيد على هذا المبدأ: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾؛ فما من وطن يمكن أن يُبنى بعيدًا عن ميزان العدل والقسطاس. يبقى معنا الحق والإصلاح، بعد ذلك ندخل في سؤال آخر إن شاء الله. الحق يمكن لنا أن نستشهد له بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾، والفساد هو خروج عن حدود الاعتدال، ويقابل ذلك الصلاح، يعني الاعتدال ويعني استقامة الحال، ولهذا فإن الإفساد هو إخراج الأمور عن حدود الاعتدال، وبناء على ذلك يكون الإصلاح هو ردَّ الأمور إلى نصابها المستقيم، والعودة بها إلى استقامة الحال. ولهذا قال: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾. ومما ينبغي للمسلم أن ينتبه إليه اليوم: أن التزامه بالحق وسيره على هدى، وتمسكه به في كل أحواله، هو الذي يصون له شخصيته، وهو الذي يدثِّر مجتمعه بشعار الإسلام الحق، بصدق الإيمان وبحسن الخلق. ولهذا نجد أن كتاب الله تبارك وتعالى مليء بالتأكيد على لزوم اتباع الحق والتمسك به، ويحذر من مجانفة الحق واتباع الهوى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾، ويقول: ﴿فَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فهذا أيضًا أمر واضح جلي، قد ندخل في تفاصيله فيما بعد، فيما يتعلق ببعض الأمثلة من واقع حياة الناس، مما يحتاجون إليه لتصوُّر مفهوم التزامهم وتمسكهم بالحق في سبيل بناء أوطانهم. يبقى الإصلاح فقط؛ الإصلاح: المأمورات المتقدمة كلها تدعو إلى ما يتعلق بالإصلاح، ووصف شامل، ولذلك قلتُ بأن الإصلاح هو ردُّ الأمور إلى استقامة الحال، إزالة أسباب الفساد ورد الأحوال إلى الاستقامة والاعتدال. ولهذا نجد أن موسى عليه السلام قال لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، قال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. فالإصلاح بالمعنى المتقدم، بالمعنى الشرعي المتقدم – لأن له وجوهًا كثيرة بحسب السياق الذي يُستعمل فيه – لكن معناه العام هو ما تقدم من إزالة أسباب الفساد، ومن ردِّ الأمور إلى حسن الاستقامة، إلى استقامة الحال، وإلى اعتدال الأمور.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١٤‏/١١‏/٢٠٢٢👁 2 مشاهدة
🎬

الوطن زاوية النظر المختلف 1 - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

توظيف الأخلاق لخدمة الوطن

2 👁

كيف يوظف المسلم المعاني الخلقية التي يكتسبها في خدمة وطنه والارتقاء ليكون ممثلاً للإسلام؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٥‏/١١‏/٢٠١٨

توظيف الأخلاق لخدمة الوطن

2 👁

كيف يوظف المسلم المعاني الخلقية التي يكتسبها في خدمة وطنه وأن يكون ممثلًا للإسلام تمثيلًا صحيحًا؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

برامج دعوية للخدم

2 👁

ما توجيهكم لوضع خطة وبرنامج لتحبيب الدين الإسلامي للخدم وهدايتهم؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١٥‏/١٠‏/٢٠١٨

تسخير الإنترنت لخدمة الأمة

2 👁

كيف يمكن توجيه مستخدمي الشبكة العالمية من المسلمين ليكون استخدامهم للإنترنت بما يخدم قضايا الأمة والدعوة إلى الله؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

تعليم العاملة أمور دينها

2 👁

هل يلزم صاحب البيت تعليم العاملة أمور دينها إذا ظهر عدم صحة عباداتها؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١٥‏/١٠‏/٢٠١٨

حب الوطن والقرآن والعقيدة

2 👁

أين يتجلى حب الوطن في كتاب الله العزيز وكيف يوظف المسلم حبه لوطنه في بناء عقيدة صحيحة؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١