⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ليس هناك تضاد بين تغيير المنكر وبين حفظ المسلم لأخلاق هذا الدين؛ فإن تغيير المنكر هو من أخلاق هذا الدين، بل هو دُرَّة منظومة سِلْك الأخلاق والقيم في هذا الدين، لكن لا يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يأتي مجردا عن الرفق واللطف والرحمة بالناس؛ فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، ووصف القرآن الكريم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بما يكشف لنا عن خِلاله وصفاته حينما قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
وحينما جاء التوجيه القرآني لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم بمخاطبة أهل الزيغ قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
سلوك مسلك الرفق والرحمة مع من يُوجَّه إليهم أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لا يعني المجاملة والمداهنة في الدين، وإنما كلمة الحق إذا غُلِّفت بخُلُق كريم، وبكلمة طيبة، وبحرص على مصلحة هذا المخاطب، وبيان العاقبة، وصدرت من القلب، فإنها بإذن الله تبارك وتعالى تصادف قبولا.
لا يعني في بعض المواقف أنها لن تحتاج إلى شيء من الإغلاظ، لكن ينبغي أن يتدرج؛ فإن بعض الناس يتجه إلى الشدة والإغلاظ من أول الأمر، وهذا يُنفِّر النفوس؛ فالنفوس بطبعها تجمح مما من الخصال الشديدة الخشنة، وتنسجم مع الكلمة الطيبة؛ فينبغي أن يُراعى مسلك التدرج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن لم يُجْدِ مسلك الكلمة الطيبة والقول الحسن فحينئذ لا مانع من الإغلاظ، لا مانع من الشدة في القول دون مجاوزة للحدود أو تعدٍّ في هذا المسلك.
وتجد أن كثيرا من الفقهاء والعلماء يتساهلون فيما يتعلق بما فيه سَعَة من أمر الدين –فيما هو من الكمالات، مما يتعلق بالنوافل أو المكروهات– لكنهم إذا اتصل الأمر بالمحرمات فإنهم كانوا أكثر صرامة في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، وإذا كان الأمر كذلك متعلقا بترك الواجبات فإنهم يحلونها في محلها أيضا، وتجد أنهم أكثر وضوحا بأداء النصيحة وبالتواصي بالحق.
وليس المقصود أن تأتي هذه النصيحة مجردة لأجل إبراء الذمة دون توخي انتفاع المنصوح؛ فإن الدين النصيحة، وحينما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لِكِتَابِ اللهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ»، والمسلم مرآة أخيه، ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين بقوله: «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ»؛ فهذه القيم والمبادئ لا بد أن تُراعى في أحوال المخاطَب حتى تُحدِث النصيحةُ أثرَها.
ولا شك أن إبراء الذمة أمام الله تبارك وتعالى بأداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقصد شريف، وهو أَسٌّ من أُسُس بناء مجتمع المسلمين، امتثالا لأمره تبارك وتعالى، لكنه ما أمرنا بذلك فقط لأن نُبرِئ ذِمَمَنا دون أن يكون لذلك أثر في المخاطبين المدعوين، والله تعالى أعلم.