⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا ريب أن الإيمان أكبرُ وازعٍ، وأكبرُ رقيبٍ، وأكبرُ مؤثِّرٍ على حياة الإنسان، ولا يُعدَل بالإيمان شيءٌ آخر، لا يساوي الإيمانَ أيُّ شيءٍ في حياةِ إنسان؛ قيمةُ الحياة بالإيمان، وإذا كانت الأجساد تحيا بالأرواح فإن الحياة نفسها إنما تحيا بالإيمان، أو الأرواح نفسها إنما تحيا بالإيمان؛ فإذا فُقد الإيمان فُقد كلُّ خيرٍ.
هذا الشخص الذي فقد الإيمان بالله واليوم الآخر ماذا عسى أن تكون حالته؟ إنما هو يطيع ويستقيم عندما يكون تحت عين الرقيب، أما إذا غابت عين الرقيب فإنه لا يشعر برقيبٍ أعظم، لا يشعر بأن وراءه من يراقبه في تصرفاته وفي أعماله؛ لأنه لا يؤمن بما وراء محسوس، لا يؤمن بالله، ولا يؤمن باليوم الآخر، كل الوجود عنده ينحصر في هذا الوجود الذي يُشاهَد بالحواس، وإذا كان يؤمن بما وراء ذلك فإنما يؤمن بما امتدَّت إليه وسائلُ الاكتشاف التي هي امتدادٌ للحواس، فلا يؤمن بما وراء ذلك، فلذلك لا يشعر برقيبٍ عليه إن فُقدت عينُ الرقيب، أو إن توارَت عينُ الرقيب البشري؛ إنما هو يهتمُّ بالرقيب البشري فقط، لا يؤمن بقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ، وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 16-18]، لا يؤمن بشيءٍ من ذلك؛ ماذا عسى أن تكون حالة هذا الإنسان؟ هذه حالةٌ شاذة، حالةُ انحراف.
أنا بنفسي حضرتُ إلى الاتحاد السوفيتي في أواخر أيامه، عندما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، والشيوعية في ذلك الوقت تحتضر، وقد أخبرني بعض الناس في الجمهوريات التي كانت تحت مظلة الاتحاد السوفيتي بأن المحصول من القمح في ذلك العام كان ضرب رقمًا خياليًّا، إلا أن أكثر من نصف هذا المحصول خرج؛ ليست قريبةَ إتاحةِ السيول، وأفسدته الأمطار، وما بقي إلا ما هو أقل من النصف؛ لماذا؟ لأن أحدًا ما يهتم، يهتم بساعةِ يومه، ويهتم بقُوتِه، لا يهتمون بما وراء ذلك؛ فُرِّغت هذه النفوس من الإيمان، وتفريغُها من الإيمان أبعدها عن أن تحسَّ بأيِّ رقابةٍ إلا رقابةِ السلطة فقط، سبحان الله، فلذلك لا يبالي من كان كذلك أن يصدُر منه أيُّ تصرُّفٍ.
كيف يعني شأنُ الإيمان في إيجاد الرقابة في حياة الإنسان؟ كلُّ واحدٍ يكون داخل بيته حيث لا يراه أحدٌ من خلق الله تعالى، إنما يراه الله سبحانه وتعالى، وتراقبه الملائكة الذين لا يُحَسُّ بهم، ولكن مع ذلك يشعر بهذه الرقابة، فيجِفُّ قلبُه، وترتعد فرائصه، وتهتز أركانه بسبب هذه الرقابة، رقابةِ الله سبحانه وتعالى، ولا يُقدِم على أي شيءٍ فيه مخالفةُ أمر الله.
عندما قالت امرأةٌ لابنتها: امذُقي اللبنَ، وكان عمرُ رضي الله عنه على مقربةٍ من بيت هذه المرأة، سمعها تقول لابنتها: امذُقي اللبن، فقالت لها: إن أمير المؤمنين قد نهى عن ذلك، فقالت لها: ومن أين لأمير المؤمنين أن يطَّلِع على أمرك الآن؟ فقالت: إن كان هو لا يطَّلِع فإن ربَّه هو الذي يطَّلِع، ربُّ السماوات والأرض هو الرقيبُ علينا.
إن شاء الله هذه التربية هي التي أوجدت في هذه الأمة التلاحمَ والترابطَ، ومراعاةَ كلِّ أحدٍ لحقِّ الآخرين، وكان كلُّ أحدٍ يحرص على مصلحة غيره كما يحرص على مصلحة نفسه: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبَّ لنفسه».