⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذه مشكلة تعود إلى خلل في فهم المسلم لمنظومة قيمه وأخلاقه، لأن بعض المسلمين – هداهم الله – يظن أن القيم والأخلاق إنما هي من الفواضل، أي من النوافل، ولا يعلم أن للأخلاق أصولا، وأن هذه الأصول هي من الواجبات التي يبلغ بها العبد المنازل العالية في الآخرة إن أداها كما شرع الله تبارك وتعالى، كما أنه يُحاسَب عليها يوم القيامة إن قصَّر فيها.
ولذلك فإن صياغة عقل المسلم اليوم لا بد أن تكون أيضا موسومة بالاعتدال والاتِّزان في تقرير أن هذه الأخلاق والمبادئ والآداب التي خوطب بها المسلم إنما هي من جوهر العبادات؛ ديننا دين أخلاق، وأخلاق المسلم تتجلَّى في كل جوانب حياته، لا تقتصر على جانب دون آخر، وهي ليست من الأخلاق التي يُخاطَب بها في حالة ثم يمسك بها في حالة العلن ويتركها في حالة السِّر، أو أنه يتمسَّك بها حينما يكون في جمع من الناس، ولكنه إذا ما خلَا إلى نفسه فإنه يُهمِل هذه الآداب والأخلاق، أو أنه في أحوال السرَّاء يتمسك بالأخلاق، وإذا ما كانت الحال على غير ذلك فإنه ينقلب على عقبيه، أو العكس.
كل هذا مما يجب أن يُصحَّح في نظرة المسلم وصياغته لعقله وتعاطيه مع قيمه وأخلاقه وآدابه، ولذلك فإن القيادة أخلاق؛ قيادة السيارة والتعامل مع الطريق وأداء حقوق هذه الطريق للنفس وللآخرين هي من ألزم حقوق هذا الدين على المكلَّف، ذلك أن من القواعد المعلومة شرعا أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وحفظ الأنفس والأموال إنما هي من ألزم الواجبات، لأنها من الضرورات في منظومة الكليات التي جاءت تشريعات هذا الدين لحفظها وصيانتها.
ولذلك فإن حفظ هذه الضرورات لا يتم إلا بالتقيُّد والالتزام بهذه الأخلاق والأنظمة والآداب التي يؤمر بها المسلم حال قيادته وسياقته للسيارات والمركبات.
ولعل الخطاب الفقهي أعان في الوصول إلى هذا الخلل الذي تشيرون إليه، وذلك حينما ربط الأحكام الفقهية الشرعية المترتبة على الإخلال بأنظمة السير والمرور بقاعدة المصالح المرسلة؛ فالذي أورث هذا الأمر هو عدم تقدير هذه الأنظمة حق قدرها، لأنها اتصلت في فهم الناس بقاعدة يظنون أنها لا تتصل إلا بالفضائل والنوافل والمندوبات، ولم يوصلها بالواجبات التي تقرر أن حفظ الأنفس وحفظ الأموال إنما هي من ضرورات هذا الدين، ومن المعلوم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولم تُوصَل – إلا فيما ندر – بمبدأ منع المسلم عن نشر الفساد في هذه الأرض، ولا ريب أن أبلغ أنواع الفساد هو إهلاك الأنفس، ثم يأتي بعده إهلاك الأموال، وما كان مُفضيًا إلى هلكة الأنفس أو إتلاف الأموال فإنه – لا ريب – من أشد ما يُحاسَب عليه العبد حينما يتسبَّب فيه أو يُهمِل حينما يقف بين يدي الله تبارك وتعالى.
ولذلك فلا بد من صياغة هذه المسؤوليات صياغة تخاطب العقل والعاطفة.
حتى فيما يتصل بالجوانب الإيمانية بعض الناس يظنون أنها من الروحانيات التي لا أثر لها، وهذا يمكن أن يشي بخطورة، لأنه يتصل بأمر عقدي؛ فالمسلم لا بد أن يكون موصولا بالله تبارك وتعالى، ذاكرا له، شاكرا له في كل أحواله، ومن ذلك أن يذكر ربَّه حينما يركب السيارة ويشرع، أو حينما يبدأ في رحلة سفره تلك؛ هكذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان إذا ركب راحلته كبَّر ثلاثا، ثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: 13-14]، اللهم إني أسألك في سفري هذا البرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن عليَّ سفري هذا، واطْوِ عني بُعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اصحبني في سفري هذا، واخلفني في أهلي، وكان إذا رجع أضاف إلى هذا الدعاء: "تائبون، عائدون، تائبون، أيِبون، عابدون، لربنا حامدون".
اليوم بعض الشباب يخبرونني أنهم إذا ذكروا هذا الدعاء يقول له صاحبه الذي يركب معه: ما هذا الذي تقوله؟ تريد أن تكون مطوَّعا؟ حتى بذكر الله عز وجل يعني يَهزَؤون، ولذلك تجد عدم مبالاة وعدم اكتراث بهذه المسؤوليات، هذه لا بد أن تُصحَّح، ولذلك يعني هذا يجيب على سؤالك فيما يتصل بصياغة عقل المسلم وتكوين هويته وشخصيته: هو ربط هذه القضايا بالجوانب الإيمانية والأخلاقية.