مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

حقيقة الإيمان باليوم الآخر

عند الحديث عن اليوم الآخر هل يُنظر إليه فقط من منطلق إيمان النفس الإنسانية به، أم أنه أمرٌ أراده الله تعالى للبشرية جميعاً؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الإيمان باليوم الآخر يحتدم الخلاف حوله بين دعاة الإيمان ودعاة الكفران، فالمؤمنون يؤمنون بالله واليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر ركيزة أساسية في الإيمان، بل هو يذكر بجانب الإيمان بالله لتأثيره على النفس البشرية، لأن الإنسان إنما ينضبط بقدر إيمانه بالله، وإيمانه باليوم الآخر في حركاته وسكناته، وأخذه وعطائه، وسلمه وحربه، وفي كل تصرفاته وأعماله. أما إذا لم يكن هناك إيمان بالله، أو لم يكن هنالك إيمان باليوم الآخر، فإن الإنسان ينفلت إلى غير حدود والعياذ بالله تعالى، وهذا واضح، ذلك لأن الإيمان بالله إنما هو إيمان بالمبدع تبارك وتعالى الذي خلق الوجود كله، والذي اختار الإنسان من بين الموجودات فجعله خليفة في الأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وخلق له ما في الأرض، وسخر له ما في الوجود، فهذا الإيمان يستدعي من الإنسان أن يكون حريصا على إرضاء ربه سبحانه، بحيث تكون أعماله جميعا مقيَّدة بقيود شرع الله تعالى، لا تخرج جزئية من جزئيات أعماله عن أمر الله. ولكن الأهواء غالبة على النفس البشرية، فالإنسان يتجاهل ما هو بديهي وضروري، ويحاول أن ينفلت بقدر مستطاع، إلا أنه إن اقترن هذا الإيمان بالإيمان باليوم الآخر، فإنه ولا ريب يقوى على أن يضبط هواه، وأن يسخِّر ملكاته حتى يكون انسجام تام ما بين إيمانه بالله واليوم الآخر، وما بين الأعمال التي تصدر منه، فتكون تلك الأعمال ترجمة حية لهذا الإيمان. ولذلك نحن نجد في القرآن الكريم، ونجد في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، تعزيز الأوامر والنواهي بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، فعندما يريد الله سبحانه وتعالى أن يعزز أمرا أو نهيا، وكذلك عندما يريد ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما يقرن ذلك بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، كما في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 232]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 228]، وكذلك قول الله سبحانه: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: 2]، وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59]. ومثل ذلك في الأحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ولا يؤذ جاره»، وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته». والله سبحانه وتعالى بيَّن أن من لم يؤمن باليوم الآخر فهو خاسر خسرانا مبينا، وهو بلا ريب ينتهي به الأمر إلى أن يعطي نفسه هواها في دنياه، ثم إلى الخسران المبين في الآخرة، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [النمل: 4-5]، ففي هذه الدنيا يكون من لا يؤمن باليوم الآخر في عمَهٍ بعيد عن الرشد، وفي الآخرة ينقلب والعياذ بالله إلى سوء العذاب. ونحن نرى أن الإنسان شديد الجدل في هذه القضية بسبب اتِّباعه لهواه، وإعراضه عن النظر في حقائق هذا الوجود، وإعراضه عن نداء الله تعالى له، فالله تعالى يقول: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ. أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 77-83]. فالإنسان بلغت به الوقاحة وسوء الأدب مع الله سبحانه وتعالى، وتجاهله حقيقة حقائق الوجود، والانغماس في الجهل العظيم، إلى أن يجادل في هذه الحقيقة، ويتجاهل أن الله خلق هذا الإنسان من نطفة، وطوَّره طورا بعد طور، حتى خرج بشرا سويا، فكيف يعجز من قدر على خلق الإنسان من نطفة عن أن يعيده مرة أخرى كما كان أول مرة بعد أن يفنى، وبعد أن تتفرَّق أجزاؤه، وتتلاشى خلاياه، وتتحول إلى ذرَّات ترابية عندما تختلط بهذه الأرض. فالإنسان يتجاهل ذلك، ويتجاهل أن الله سبحانه خلق هذا الكون بأسره من العدم، فكيف يعجز عن إعادة الإنسان مرة أخرى كما كان! وإنما هذا جدل عقيم من العقول العقيمة. والله سبحانه وتعالى بسط القول في كتابه في مجادلة هؤلاء، كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: 5-7]. وهذا يدل على أن من كان بعيدا عن الإيمان بوحي الله تعالى فإنه يكون بعيدا عن الإيمان باليوم الآخر، فالإيمان باليوم الآخر إنما يُستمد من الوحي. وقد تكون هناك تصورات لبعض الناس في بعض الأحيان ... وقد ذكر خصومات هؤلاء في الكتاب العزيز في عدة مواضع، بيَّن كيف كان يخاصم أهل الجاهلية في هذه الحقيقة، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 82-83]، وكذلك يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ. لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل: 67-68] ... فهذه الجدليات الكثيرة في القرآن الكريم تدل على عقم الأفكار عند من لم يكن مستنيرا بنور الوحي، والله تعالى مستعان.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣‏/٦‏/٢٠١٧👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - #الشيخ_أحمد_الخليلي 8 رمضان 1438 هـ HD

العقيدة

✦ فتاوى مشابهة

العمل الصالح بلا إيمان

2 👁

كيف يرد على القول بأن ما يريده الله من الإنسان هو العمل الصالح فقط ولو لم يكن مؤمناً برسالة النبي صلى الله عليه وسلم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٠‏/٧‏/٢٠١٤

العدالة والعقيدة

4 👁

إذا حققت بعض الشعوب قدراً جيداً من العدالة في حياتها، فهل تبقى محتاجة إلى العقيدة والإيمان أم يمكن أن تستغني عنهما؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٣‏/٩‏/٢٠١٨

كلام الله يوم القيامة

16 👁

هل يكلم الله سبحانه وتعالى عباده يوم القيامة وقت الحساب وهل كلامه يشبه كلام البشر؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
١٧‏/٦‏/٢٠٢٦

معرفة قوة الإيمان

2 👁

كيف يعرف الإنسان إن كان مؤمنًا مستقيمًا، وكيف يسعى لعدم ضعف إيمانه وتزكية نفسه؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

القيم الإنسانية بلا إيمان

2 👁

ما مدى تماسك الاعتقاد بأن القيم أخلاق إنسانية لا إيمانية وأنها قد تُدخِل غير المسلم الجنة، وما أثر هذا التصور على نسيج الوحدة الوطنية ومحافظة الناس على أوطانهم؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٦‏/١١‏/٢٠١٤

كذب الكفار يوم القيامة

2 👁

كيف نوفق بين الآيات التي تنقل إنكار المشركين لشركهم يوم القيامة والآيات التي تنقل اعترافهم بالذنب، وهل يكذبون على الله يوم الحساب؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٧‏/٩‏/٢٠٢٠