⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن كل شيء بقضاءٍ وقدر، ولكن هذا لا يعني إعفاء الناس من المسؤوليات؛ فالذي يُقدِم على قتل النفس المحرَّمة بغير حق بإطلاق الرصاص، أو باستعمال السلاح الأبيض، أو باستعمال أي سلاح مُردٍ، إنما هو في الحقيقة فاعل الذي فعل، وهو مقضيٌّ عند الله تعالى ومقدَّر، ولكن هذا لا يعني أنه يُعفَى من المسؤولية.
ولو كان يُعفَى من المسؤولية بسبب أن ذلك أمر قضاه الله تعالى وقدَّره، لكان بطبيعة الحال غير مسؤول عن قتل النفس، ولما كان هناك وعيد على قتل النفس، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 68-70].
ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. فلو كان ارتباط الأمر بالقضاء والقدر يُعفي مرتكبه من المسؤولية لما كان هناك وعيد على هذا، ثم لو كان الأمر كذلك أيضًا لما ترتب عليه قصاص في هذه الحياة، مع أن الله تبارك وتعالى شرع القصاص، قال عزَّ من قائل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179].
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، وفي سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا * وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 32-33].
... فإذًا لا يُنحَّى اللوم على القضاء والقدر، وإنما اللوم على هذا الإنسان نفسه الذي أقدم على ما أقدم عليه باختيار، وكل أحد يعلم التفريق ما بين الأمر الذي لا بد منه، وما بين الأمر الذي جعل الله للإنسان فيه اختيارًا.
... وعلى كل أحد أن يتحمَّل مسؤوليته، فالانتحاء باللائمة على القضاء والقدر إنما هذا من جهل الجهلة، وإقدام الإنسان على الفعل ويقول: لا أبالي، إن كان مقضيًّا عليَّ أنه سيصيبني شيء فإنه سيُصيبني، إذًا معنى ذلك أنه لا حرج في الانتحار؛ لأن لا ينتحر منتحر إلا وقد قضى الله سبحانه وتعالى أن يموت منتحرًا، لا حرج في هذه الحالة أن رمى أحد نفسه في بِئر، أو رمى نفسه في بحر، أو رمى نفسه في أي مكان منتحرًا، لا حرج عليه في هذه الحالة؟ وليس كذلك.
الله سبحانه وتعالى حذَّر من إقدام الإنسان على الهلكة: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، فهذا الكلام لا ينشأ إلا عن غرور وعن جهل، هذا كلام من لا يؤمن بالقضاء والقدر حق الإيمان، أمَّا من آمن بالقضاء والقدر حق الإيمان فإنه يدرك أنه مسؤول عما يُقدِم عليه، وعليه أن يتفادى ويحذر كل ما يؤدِّي به إلى العطب أو يؤدِّي بغيره إلى العطب.