⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
إن الله سبحانه وتعالى تعبَّد العباد بأحكام فرضها عليهم من أجل المحافظة على مصلحتهم، ومن بين ما تعبَّدهم به المحافظة على الإنسان، لأن الإنسان قيمته عند الله تعالى قيمة كبيرة.
فالله سبحانه وتعالى يبين قيمة هذا الإنسان عندما يقول عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: 70]، ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء: 70]، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
والإنسان مطالب بأن يحافظ على سلامة نفسه، وأن يحافظ على سلامة غيره، فهو مؤتمن على نفسه، ومؤتمن على غيره، وعندما يقصر في هذه الأمانة لا ريب أنه يكون مسؤولا أمام الله.
فالله سبحانه وتعالى بالنسبة إلى الإنسان نفسه قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 30].
وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الشيخين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يَتَوَجَّأُ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يَتَحَسَّاهُ في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا».
وهناك الكثير من النصوص الشرعية التي تدل على أن الإنسان يحرم عليه أن يقتل نفسه، وكما يحرم عليه أن يقتل نفسه كذلك يحرم عليه أن يقتل غيره بغير حق، كما نرى في هذه الآية التي تبين قيمة الإنسان، وأيضا مع قضية إزهاق روحه بغير حق، عندما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: 68]، ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 69]، ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 70].
ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: 33].
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93].
ولم يقف الأمر عند تعمد القتل فحسب، بل حتى قتل الخطأ عندما يصدر من الإنسان القتل خطأ فإنه يؤمر بأن يكفِّر هذا الخطأ الذي وقع فيه بأمرين: بدفع الدية إلى أهل المقتول إلا أن يعفوا عن هذه الدية أو أن ينزلوا عن بعض هذه الدية الشرعية المفروضة، والأمر الثاني هو عتق رقبة حتى يحيي نفسا مكان النفس التي قتلها.
إن الإنسان إنما فُرض عليه هذا الحكم من قبل الله سبحانه وتعالى لأجل أن يشتد احترازه في كل حالة، في كل تصرفاته، في تعاطيه مع السلاح أو في تعاطيه مع أي آلة من الآلات، عليه أن يكون حذرا حتى لا يصيب بها أحدا من الناس فيودي بحياته أو يضر بحياته.
إذ هذا الإنسان الذي أودى بحياته ولو كان قتله له خطأ إلا أنه له الحق في العيش، وهو يريد العيش، ثم مع ذلك هو يذكر الله إن كان مسلما فإنه يعبد الله تعالى حق العبادة، وإن كان غير مسلم فقد يهديه الله تعالى للإسلام، وقد يبصره من عماه ويخرجه من حيرته، على أن له الحق في هذه الحياة.
فلذلك كان في مقابل ذلك هذان الأمران، وهو الدية والكفارة، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92] ... ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]، ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92].
هكذا فرض الله سبحانه وتعالى تحرير رقبة في مقابل رقبة مؤمنة في مقابل القتل الخطأ، وكذلك الدية التي فرضها الله سبحانه وتعالى.
ولا ريب أن الإنسان بطبيعة الحال، وإن كان القضاء والقدر يسيران، إلا أنه يتعاطى مع الأشياء إما بحزم وإما بإهمال، والذي يتعاطى مع الأشياء بحزم لا ريب أن الله سبحانه وتعالى يوفقه ويسدده ويجنبه، ولو وقع في الخطأ فذلك أمر نادر، أما أن يكون الإنسان مهملا فهذا أمر لا يسوغ؛ على الإنسان دائما أن يكون حذرا من أن يضر بأي أحد من الناس أو يضر بنفسه.
ولا ريب أن السائق الذي يمسك بالمقود هو مسؤول عن نفسه، وهو مسؤول عن الركاب معه، وهو مسؤول عن سائر المركبات، وهو مسؤول عمن في المركبات، وهو مسؤول عمن في الطريق من إنسان وغيره، فعليه أن يحافظ على سلامة الجميع، وليس له أن يتهور بأي حال من الأحوال، لذلك عليه أن يتفادى كل سبب من أسباب التهور.