⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
عندما يقلب المرء صفحة الحياة، وينظر في واقع الناس وأفعالهم، تهوله تصرفات بشرية تُزهَق الأرواح، تجلب المصائب، وتُنْحِي الأفراح… في الشوارع الممدودة تمزق أجساد، وتُحرَق أخرى، وأن تمتد أيدٍ إلى مخازن المال فتسرق ما تشاء، وهكذا يصنع الناس ما يصنعون، بيد أن اللغة التي تُبرِّر كل هذا هي القدر: قدر الله وما شاء فعل؛ فهل القدر شماعة تُعلَّق عليها أخطاء البشر؟
… كل ما يحدث يقول: هذا مقدَّر له، وأُصيب، فيُحدِث بقدر، وعندما يُعاتَب: هكذا قدَّر الله لي.
لا ريب أن قدر الله تعالى هو النافذ؛ فالذي قدَّر الله سبحانه وتعالى أن يموت غريقاً سيموت غريقاً، والذي قدَّر الله سبحانه وتعالى أن يموت حريقاً سيموت حريقاً، والذي قدَّر الله سبحانه وتعالى أن يموت قتيلاً بسيف أو بندقية أو بأي سلاح فإنه يموت كذلك، والذي قدَّر الله سبحانه وتعالى أن يَخِرَّ من جبل فإنه يَخِرّ، بل لا بد من أن يُنفَّذ قدر الله سبحانه وتعالى في عباده، ولله في خلقه شؤون.
ولكن هذا لا يُسقط المسؤولية عمَّن كان السبب في ذلك، نعم، فنحن ذكرنا من أول الأمر أن الله سبحانه وتعالى قضى في أزله على الناس أن يفعلوا بحسب ما علم من اختيار البَرَرة، واختيار الفَجَرة؛ فالمجرمون الذين يختارون الشر يسَّر الله لهم الشر لحكمةٍ أرادها الله، الله إذ لم يحمل الناس على القسر؛ فنحن نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على هذا: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾، هذا في كتاب الله تعالى، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، لو شاء الله تعالى لكان الناس كلهم سواء في الهداية، ولو شاء الله سبحانه أيضاً أن يكون العكس لكان، ولكن حكمة الله اقتضت أن يكون هنالك بَرَرة، وأن يكون هنالك فَجَرة، نعم، وسبقت كلمته التي أخبر بها: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، هذه حكمة الله تعالى ولا رادَّ لقضائه.
لكن هذا لا يُسقِط المسؤولية عن الناس، على كل أحد أن يتبصَّر، وعلى كل أحد أن يحذر، وعلى كل أحد أن يحرص على الأخذ بأسباب النجاة؛ بيَّن الله سبحانه وتعالى مسلك الحق وبين مسالك الباطل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، داعي الله يدعو على رأس الصراط المستقيم: أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعاً ولا تفرّقوا، وهناك سُبُل –وهي ذات تعارُض، أي غير مستقيمة– على رأس كلٍّ منها الشيطان يدعو إليه، والله سبحانه وتعالى علم مَن سيتبع صراطه المستقيم، ومَن سيتبع تلك السُّبُل التي تُفرِّق بهم عن سبيله، علِم الله سبحانه وتعالى كلَّ واحدٍ ممن يسلك أيَّ السبيلين: سبيل الحق أو سبيل الباطل.
فلا تُعلَّق جرائم الناس على قضاء الله تعالى وقدره، إنما جرائم الناس كانت باختيارهم، وبكسبهم، وبفعلهم، والله سبحانه يسَّر لكلٍّ ما خُلِق له.