⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذا الدين قد وطّأ نفوس أتباعه لما سيواجهونه في هذه الحياة الدنيا، وقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار ابتلاء، يقول سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]، ويقول: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2].
فنحن ننظر إلى هذه الحياة على أنها دار ابتلاء، والمؤمنون يعرفون أن الأيام دول؛ لأن الله عز وجل قد بصّرهم بهذه الحقائق وبهذه السنن في كتابه الكريم. ولذلك، فسواء رأى الناس أن هذا هو القدر الأخير لهذه الأمة أو رأوا أنه بداية الأقدار لهذه الأمة، فإن مسألة الأقدار إنما بيد الله سبحانه وتعالى.
لكن المؤمن يعلم أنه ينتسب إلى أمة وصفها الله عز وجل بقوله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 181]، فهي موصوفة بهذه الصفات بصيغة المضارع، مما يعني أن هذا الخبر الذي ورد في صيغة خبرية يحمل إنشاء، هذا الإنشاء يكلّف هذه الأمة بأن تطّلع بهذه الأمانة، فتهدي الناس جميعا بالحق وتعدل في الناس جميعا بالحق، وتؤدي رسالة هذا الدين.
والمؤمن اليوم، الحق الذي يؤمن حق الإيمان بالله تبارك وتعالى، هو امتداد لهذه الدعوة الخاتمة، ولذلك فإنه يعلم أنه في سبيل أدائه لهذه الرسالة، وحتى يتجاوب معه الكون بما يدعو إليه من الإيمان بالله تبارك وتعالى ومن رسالة السلام في هذه الأرض، ومن الدعوة إلى العزة والكرامة بالانتساب إلى دين الله عز وجل وبالعمل بشرعه في هذه الأرض، سوف يواجه الخطوب والمصاعب، هو يعلم أن من شأن الحياة كذلك.
ولذلك فإنه لا ينكفئ على نفسه، ولا ينعزل عن هذا الواقع، ولا يكون تجاوبه مع هذه الخطوب إلا بنفس الواثق بنصر الله عز وجل المطمئن لوعده، الذي خاطبه بقوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186].
هذا هو شأن المؤمن، وهذه هي نظرته للحياة، ولذلك فإنه يستلّ من وسط الخطوب التي تلمّ به، ومن مدلهمات الظلمات التي تكتنف هذه الحياة في كل أرجائها، يستلّ منها البشارات، ويعلم أن وراء هذه الأسباب المادية مسبّبا حكيما وهو الرب الكريم، الذي يلوذ إليه المؤمن في مثل هذه الخطوب، فيستشهد عروة إليه إيمانه من النظرة الإيجابية الداعية إلى بسط الخير والصلاح في هذه الأرض، والتي تجعل منه فردا ساعيا إلى نشر الفضيلة والقيم، دارئا للفساد والمنكرات، جالبا للخير والمصالح للعالم أجمع، هذا هو شأن المؤمن.
وهو بذلك يكون قدر الله سبحانه وتعالى، يكون يد القدرة الإلهية التي لها تهتز عروش المستبدين الظالمين، ومعها تتجاوب نفوس المستضعفين المظلومين في هذه الأرض، وبها يعتزّ الإنسان أيًّا كان هذا الإنسان، لأن مصدرها هو الرب الخالق الحكيم المدبّر لهذا الكون، الآمر بأن يأخذ هذا المسلم بالأسباب.
ولذلك، فإنه حينما تتجاوب نفسه مع هذه العقيدة الإيمانية الراسخة، فلا ريب أن جوارحه سوف تتفاعل مع هذا الإيمان، وسوف يسعى لأن ينتشل نفسه ومجتمعه وأمته، ولأجل أن ينتشل هذا الإنسان من هذه الحيرة والتيه الذي تعاني منه الإنسانية جمعا.