⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، لذلك كان مما ينبغي أن يوضع تعريف القضاء والقدر على قائمة الحديث في هذه المسألة؛ ليتبين المستمع ما هو القضاء، وما هو القدر، وما الفرق بين القضاء والقدر.
القضاء: من قضى يقضي، وأصله بمعنى الحكم.
والقدر: من قدّر، شيء يقدّره.
والفرق بين القضاء والقدر أن القضاء –كما قال جمهرة كبيرة من العلماء–: إيجاد الأشياء في اللوح المحفوظ إجمالاً، والقدر: إيجادها في المواد تفصيلاً.
فالله سبحانه وتعالى قضى في اللوح المحفوظ بأن أكون في هذه الساعة أمامك، وأن تكون أمامي، وأن نتحدث في هذه المسألة، فذلك الذي في اللوح هو قضاء من الله سبحانه، ووجود هذا الشيء بأمر الله وبإرادته الآن، بحيث تحوّل من كونه أمراً مقضياً فقط إلى أمر واقع يُشاهد، وجود هذا الشيء هو قدر من الله، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾.
فالله سبحانه وتعالى قضى الأشياء كلها: ما سيكون وما لا يكون، قضى بألا يكون، الله سبحانه وتعالى قضاه نافذ، وإرادته سابقة على إرادة غيره، ويأتي الشيء الذي قضاه الله سبحانه وتعالى في اللوح يأتي واقعاً مشاهَداً تصديقاً لقضاء الله سبحانه وتعالى.
ومن العلماء من حاول التقريب في تعريف القضاء والقدر، فقال: القدر خلق الأجسام والأعراض، والقضاء إثبات ذلك في اللوح. القدر خلق الأجسام والأعراض، أن كل شيء لا يكون إلا بخلق الله سبحانه وتعالى، فخلق الأجسام والأعراض إنما هو قدر، وإثبات ذلك في اللوح المحفوظ قضاء من الله سبحانه وتعالى.
ولا ريب أن المسلم يعلم أن الكون كله مصرَّف بأمر الله، فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذا الوجود وأبدعه، وهو الذي يصرّفه، كل شيء يقع في هذا الكون بتصريف من الله، كل أمر قليلاً كان أو كثيراً، دقيقاً كان أو جليلاً، هو بتصريف من الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله الذي خلق هذا الوجود لم يتخلَّ عنه بعد خلقه، بل يوجّهه ويصرّفه كما يشاء.
هذا، وقد اختلفت نظرة علماء الأمة إلى جانب القضاء والقدر؛ ذلك لأن منهم من راعى جانب القدرة وكون إرادة الله تعالى نافذة، ومنهم من راعى جانب تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق بعظمته. فالذين نظروا إلى هذا الجانب فحسب، أو إلى هذا الجانب فحسب، ولم يجمعوا ما بين النظرتين، وقعوا في إشكال.
فنجد الجبرية الذين قالوا بأن كل ما يكون في هذا الكون إنما هو فعل الله تعالى، والإنسان –وغير الإنسان من مخلوقات الله تعالى– ليس له كسب، ولا له أثر على ما يعمل، وقالوا بأن الإنسان إنما هو كالخيط في الهواء تقلِّبه الرياح، ولا يملك أن يصرّف نفسه أو أن يفعل شيئاً.
في المقابل هناك فئة أخرى حرصت على تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الشر، فقالت بأن كل ما يكتسبه الإنسان إنما يستقل الإنسان بإيجاده استقلالاً تاماً.
وهذه المسألة مبنية على نظر في مسألة يُعبَّر عنها مسألة الاستطاعة: هل الاستطاعة سابقة على الفعل أو أن الاستطاعة مقارنة للفعل؟ وفيها خلاف: الاستطاعة هل هي مقارنة للفعل، بمعنى أن الإنسان قبل أن يفعل الشيء هو غير مستطيع له، وإنما عندما يفعله هو مستطيع له، أو أن الاستطاعة سابقة على الفعل؟ هذه المسألة أيضاً تحتاج إلى تحرير.
الذين قالوا بأن الإنسان مستقل بإيجاد فعله استقلالاً تاماً قالوا: الاستطاعة كائنة قبل الفعل، والذين قالوا بأن الإنسان لا أثر له في فعله، وإنما كل ذلك إنما هو فعل الله سبحانه وتعالى، قالوا: لا استطاعة للإنسان. والذين توسّطوا ما بينهم قالوا: إن الاستطاعة مع الفعل.
ولكن ينبغي أن يُنظر بأن الاستطاعة في الحقيقة تمامها مع الفعل، أما أصل الاستطاعة فهو حاصل قبل الفعل؛ ولذلك فرض الله سبحانه وتعالى الحج على المستطيع: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فلو لم تكن هنالك استطاعة سابقة على الفعل لما كُلِّف أحد بالحج؛ لأنه لم يشرع فيه، فهو لم يكلَّف بما أنه غير مستطيع، ولا يكون مستطيعاً له إلى أن يشرع فيه.
فالتحقيق أن الاستطاعة إنما أصلها سابق على الفعل، ولكن تمامها عند الفعل؛ فقد يكون الإنسان مستطيعاً لفعل شيء، ولكن تصدّه عنه صوارف، وتَحول بينه وبين إتيانه حوائل؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يرد أن يفعل ذلك الشيء.
هناك فريق آخر، وهو الذي أصاب المحز في هذه المسألة، ووضع المقص على المفصل، هذا الفريق قال: إن الخلق إنما هو لله، والكسب للعبد. العبد لا يستقل بالفعل استقلالاً تاماً، بل لا بد من أن يخلقه الله تعالى له، ولكن هذا الخلق ليس إجباراً من الله سبحانه وتعالى؛ فالإنسان يدرك الفرق بين الحركة الاضطرارية والحركة الاختيارية؛ هنالك فرق بين رَعشة اليد وبين دقات القلب وبين النبضات في الجسم، هذه حركات لا يملك الإنسان التصرّف فيها، لا يملك وقفها، ولا إرادة له فيها، وهناك حركات اختيارية يكون للإنسان كسب فيها وإرادة، فهو يتصرّف فيها حسب إرادته، ولكن في حدود ما جعله الله سبحانه وتعالى له؛ قد يريد شيئاً وتحول بينه وبينه حوائل فينصرف عن ذلك الشيء ولا يفعله، مع تهيؤه له، ومع وجود المقدرة على فعل ذلك الشيء، ولكن الحوائل التي تعرض له هي التي تصرفه عنه.
فإذاً القول الحق في هذا: بأن الإنسان مكتسب لفعله، ولكن الله تعالى خالق لذلك الفعل، لا يستقل الإنسان بإيجاد فعله استقلالاً تاماً، وقد جعل الله سبحانه وتعالى الثواب والعقاب على الكسب لا على الخلق؛ نعم، الله تعالى يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، لا يُسأل عما يفعل، ولم يكن الإنسان مُلزِماً لربه أن يفعل ذلك الفعل، بل يُقدم العبد باختياره على فعل الخير، ويُقدم باختياره على فعل الشر، فلذلك كان الثواب والعقاب موطَّنين بهذا الفعل: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
الذين قالوا بأن الإنسان مُصرَّف، لا يملك من الأمر شيئاً، نظروا أيضاً إلى الآيات الكثيرة التي تدل على نفاذ مشيئة الله سبحانه وتعالى دون مشيئة العبد، ونظروا إلى الآيات التي تدل على أن أفعال العبد إنما هي في الحقيقة كائنة بتأثير الله تعالى؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾، فالضحك هو من أفعال الإنسان، والبكاء من أفعال الإنسان، ولكن الإضحاك هو من الله، والإبكاء هو من الله، فقالوا: لما كان الضحك –وهو فعل الإنسان–، والبكاء –وهو فعل الإنسان– من الله، فإذاً الله هو الذي أحدث هذا الفعل.
كذلك الطرف الآخر نظر إلى النصوص التي تدل على أن الإنسان فاعل؛ الله سبحانه وتعالى عزا القتل إلى من قتل، وعزا الزنا إلى من زنى، وعزا الشرك إلى من أشرك: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، هناك زنا يصدر من الإنسان، وقتل يصدر من الإنسان، وفعل هذه الأفعال يصدر من الإنسان، فإذاً مسؤوليتها على العبد.
رأى مَن رأى من الأمة أن هذا الفعل هو شأن العبد، ما لله تعالى به، وكيف يُعزى إلى الله تعالى فعل قبيح من أمثال هذه الأفعال ويقال بأنه بتأثير الله تعالى؟
الحق –كما قلنا– التوسط بين المذهبين، نحن علينا ألا نهمل جانب تنزيه الله سبحانه وتعالى عن الفحشاء والمنكر، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾، وفي نفس الوقت علينا أن ننزه الله سبحانه وتعالى عن أن يقع في ملكه ما لا يريده الله تعالى؛ ارتبطت إرادته أن يعطي العبد هذا الاختيار، وما قضاه الله سبحانه وتعالى في الأزل من أن العبد يفعل هذا الشيء إنما كان بحسب ما علم من ميل العبد ورغبته؛ فهو يعلم من الذي سيريد الخير، ومن الذي سيريد الشر.
ولله المثل الأعلى، ولكن لا حرج أن نضرب مثلاً لذلك: أستاذ يعلم حال تلامذته، ويعلم اجتهاد المجتهدين منهم، وكسل الكسولين، هذا الأستاذ قد يتحدث عن نتائج الامتحان قبل أن يكون الامتحان؛ لأنه يعلم مَن سيجتهد من هؤلاء التلاميذ، ومن لا يجتهد من هؤلاء التلاميذ.
وعلم الله تبارك وتعالى سابق على كل شيء، فالله علم من عباده مَن سيختار الخير، وعلم مَن سيختار الشر، وقد يسَّر لكلٍّ اختياره، على أن الإنسان قد يختار الشر، ولكن تتداركه ألطاف الله سبحانه وتعالى وترده إلى الخير، والله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
فعلينا أن نتبيَّن هذه الأمور، وأن نكون دقيقين فيها؛ فإن هذا الأمر –كما قلنا– هو منزلق، وقد جنحت طائفة إلى جانب، وجنحت طائفة إلى جانب؛ هؤلاء تعلَّقوا بالآيات التي رأَوْها تتفق مع ما ذهبوا إليه، وهؤلاء أيضاً تمسَّكوا بالآيات التي رأَوْها تتفق مع ما ذهبوا إليه، ولم يجمعوا ما بين الآيات، وكل فريق من الفريقين جعل الآيات التي تمسَّك بها هي الآيات المحكمة، والآيات التي تدل على خلاف ذلك التي تمسك بها خصمه جعلها آيات متشابهة، وحرص أن يحمل المتشابهات على المحكمات.