⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، إن الله سبحانه وتعالى لا يعاقب ولا يثيب على القدَر، وإنما يعاقب ويثيب على المقدور؛ المقدور هو الذي يفعله العبد، والقدَر هو فعل الله.
الله سبحانه وتعالى وهب العباد القدرة على الكسب، والإنسان يفرِّق بطبعه بين حركته الاضطرارية والاختيارية؛ فرَعْشَةُ اليد أو رعشةُ أيِّ شيءٍ من الجسم ليست هي كالحركة الاختيارية، تحريك اليد باختيار الإنسان، وإنما ذلك أمر اضطراري.
فالله تعالى لا يؤاخذ العباد بما اضطرهم إليه، وإنما يؤاخذهم بما هم مختارون له، وقاصدون إليه، ومريدون له، هذه هي سنَّة الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه قدَّر الأمور بحسب ما علم من توجُّهات العباد.
الله سبحانه هو العليم بكل شيء، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؛ كل ما في هذا الكون إنما هو معلوم لله، وكل ما لم يكن في هذا الكون يعلم الله تعالى لو كان كيف يكون؛ فإحاطة الله تعالى بكل شيء تعني أنه عليم ببواطن هذه الحقائق كلها.
ولا ريب أنه منذ الأزل يعلم أنه سيخلق هؤلاء الخلق باختياره وبإرادته، ويعلم كيف تكون توجُّهات هؤلاء العباد العقلاء المكلَّفين؛ من الذي سيختار منهم الخير، ومن الذي سيختار منهم الشر، وأمضى بموجب ذلك قدرَه.
وهذا نضرب له مثلًا: لو كان أستاذ يمارس مهنة التعليم ما بين تلاميذ، في هؤلاء التلاميذ من هم الناجحون، ومنهم الفاشلون، في هؤلاء التلاميذ من منهم الذكي، ومن منهم الضعيف الغبي؛ فلا ريب من كثرة ممارسته لهؤلاء يستطيع أن يعرف قبل اختبارهم، يستطيع أن يعرف –ولو بالتقريب– ما هي العلامات التي سيأتي بها فلان، بحسب اجتهاده وحسب ما علم من ذكائه ومن قوته؛ لا يلزم أن يكون يعلم بالتحديد المقدار، لكن يحوم حول المقدار، يعلم النسبة ما بين كذا وكذا؛ فلان يمكن أن يأتي بنسبة ما بين التسعين والمائة، أو ما بين الثمانين والمائة، أو ما بين السبعين والثمانين، وفلان دون ذلك، يستطيع أن يحدد في عقله هذا.
فالله عز وجل يعلم بالضبط وبدقة كل ما سيصدر عن كل واحد من أولئك العباد عندما يمنحهم الاختيار، وقد منحهم الاختيار سبحانه وتعالى، فأجرى قدره بحسب مقتضى علمه، وترتَّب على ذلك أن يخرج هذا الأمر المقدور من عالم الغيب إلى عالم الشهادة بحيث يتحوَّل إلى واقع يمارسه هؤلاء العباد.
والله سبحانه وتعالى أقام عليهم الحجة؛ أرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، ورَكَّب فيهم العقول، فما بقيت لهم حجة: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42]، و﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]، لم تبقَ لأي أحد حجة على الله سبحانه وتعالى بعد إرساله رسله هؤلاء.