⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، هذا خلطٌ في ما يتصل بعلم الله تبارك وتعالى بما هو كائن وبما يكون وبما كان، وبين اختيار العباد.
حتى تكون الصورة واضحة: مَكَّن الله تبارك وتعالى للعباد أن يختاروا، فلهم إرادة حرة يختارون بها ما يأتون وما يذرون؛ فما يأتون وما يتركونه إنما هو بإرادتهم الحرة، باختيارهم المحض.
والله عز وجل –لأنه هو العليم تنكشف له المعلومات– فإنه عَلِم من عباده ما يختارونه ويفعلونه، فكتب ذلك عليهم لا على جهة إلزامِهم به، وإنما من جهة اطلاعه هو باختياراتهم وما يكتسبونه؛ فهناك جهتان منفصلتان:
الله تبارك وتعالى مطّلع على ما يفعله العباد، وقد سجّل ذلك عليهم؛ لأنه يعلمه قبل أن يصدر عنهم؛ هو الخالق البصير الحكيم الذي تنكشف له المعلومات، فمن أجل ذلك يعلمه قبل أن يصدر منهم، لكن الذي يعلمه إنما هو ما يختارونه هم، ما يريدونه فيفعلون، فيكتب سبحانه وتعالى أو يأمر الملائكة بكتابته؛ فليس هناك إلزام بجهته، وإنما هو اختيار منهم علمه الله تبارك وتعالى.
ولتقريب الصورة: تجد المدرِّس ذا الخبرة والدراية بأحوال طلابه يعلم أن الطالب الفلاني سيحرز الدرجة الفلانية، والطالب الفلاني سيرسب، والطالب الآخر ستكون نتيجته كذا، وتأتي النتيجة بحسب ما توقَّع ذلك المدرِّس؛ لماذا؟ لأنه صاحب خبرة، يعرف أحوال طلبته من طول معاشرته وتدريسه لهم واحتكاكه بهم، أصبح قادرا على توقع درجاتهم؛ هل هو الذي دفعهم؟ هل هو الذي أجبرهم على تلك الدرجات؟ ليس هو، وإنما كانت درجاتهم تلك بحسب اجتهادهم ومذاكرتهم وفهومهم وما بذلوه في تلك الاختبارات؛ فهل يُقال بأن المدرس هو الذي ساقهم إلى حيازة تلك الدرجات؟ لا؛ فإذن علمه منفصل عن اختيارهم.
أما علم الله تبارك وتعالى فتنكشف له المعلومات؛ لأنه الخالق القدير سبحانه وتعالى.
مرة أخرى: عندنا جهتان؛ علم الله تبارك وتعالى بكل ما في هذا الكون بما كان وما يكون وما سوف يكون؛ لأنه الخالق العليم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، سبحانه وتعالى، لكنه مكَّن العباد –هذا الخالق بحكمته وعدله– من أن يختاروا ما يأتون وما يذرون، ما يفعلونه، ما يريدونه، ما يقولونه، ما يأتونه، وقد علم اختياراتهم قبل أن يختاروها؛ لأنه علم منهم ذلك، هو الخالق سبحانه وتعالى، أما هم فإنهم يختارون ما شاءوا، يفعلون ما يأتون؛ ولذلك فإن الله تبارك وتعالى يحاسبهم على اكتسابهم، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
وعلمه سبحانه وتعالى ليس هو الذي أَلجَأهم إلى ذلك، وإنما لأن علمه علمٌ ذاتيٌّ حقيقيٌّ انكشفت له المعلومات، فلا يعزب عن علمه مثقالُ ذرةٍ في الأرض ولا في السماء.
فهذا هو التوفيق بين ما يُبحَث عنه، عسى أن يزول الإشكال عن كثير من الناس.