✓ تم نسخ الرابط
الجمع بين الدعاء والقدر
كيف نوفق بين الدعاء والإيمان بالقدر في أعماق القلب بحيث ندعو الله ونحن موقنون بالإجابة في أمور الدنيا؟
⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الأخ نصر… والحقيقة أنه سؤال غاية في الأهمية.
والجواب يكمن في مفردة ذكرها في سؤاله، وهي مفردة أنه يدعو وهو موقن، فاليقين ينقسم إلى جهتين:
جهة هذا الداعي: أن يستشعر افتقاره إلى الله تبارك وتعالى واحتياجه إليه، وأنه في أمسِّ حاجة وضيق أمر، وفي حالة لا يمكن أن يخرجه منها إلا من بيده الأمر كله، وهو ربه تبارك وتعالى الذي يناجيه، هذا هو الطرف الأول.
الطرف الثاني هو المدعو، وهو رب العزة والجلال؛ فحينما يوقن هذا الداعي أن ربه تبارك وتعالى على كل شيء قدير، وأنه يسمع دعاءه، وأن بيده مفاتيح الأمور كلها، وأن الأمر كله يرجع إليه، فهذا المعنى –معنى اليقين في قدرة الله عز وجل وعلمه وسمعه واطلاعه وجلاله وجماله وكماله جل وعلا– هي من أخص شروط الدعاء.
فإذا لم يكن في قلبه التفات إلى ما سوى الله تبارك وتعالى… فإذا كان في دعائه يظن أن الأسباب التي بيده من مال أو قوة أو أقارب أو أصدقاء أو منزلة وجاهة يمكن لها أن تعينه، فهذا –كما يقول الإمام الرازي في تفسيره، وهي كلمة في الحقيقة مع دقة معناها لكنها صعبة في التنفيذ والتطبيق– يقول: مثل هذا إنما يدعو بلسانه لا بقلبه، سبحان الله.
فلا يبلغ حد أن يكون موقناً في دعائه إلا إذا تجرَّد من هذه الأسباب، من الظن أن الذي آتاه من مال أو قوة أو نسب أو قرابة أو جاه ذلك لا ينفع، وإنما ينفعه هذا الذي يتوجه إليه بدعائه وضراعته، فلا يكون في قلبه أدنى التفات، حتى إن تعبيره كان: إن كان في قلبه ذرة من أن ماله وصحته وقوته وجاهه وأقرباءه وأصدقاءه يمكن أن ينفعه، فهو في الحقيقة داعٍ بلسانه لا بقلبه، ولا يكون داعياً موقناً بقلبه إلا إذا تجرد من هذه الأسباب، ولم يلتفت إلى ما سوى الله تبارك وتعالى في دعائه.
وقد يفسر هذا ما يذكره كثير من الناس حينما يستشكلون أنهم يدعون ولا يُستجاب لهم؛ فقد يكون هناك خلل في هذا التوجه، في اليقين، وفي حقيقة التذلل والانكسار لله تبارك وتعالى، أو أن يخالط النفس شيء من التعلق بالأسباب التي بيد هذا العبد نفسه، فيكون داعياً بلسانه لا بقلبه، وقد يكون هناك خلل في الشروط الأخرى المعروفة في الدعاء.
ولكن هذا هو الدعاء المقصود، وهذه هي حقيقة الدعاء: تضرع وتذلل وسؤال الحاجة من الله تبارك وتعالى دون التفات إلى أسباب أخرى، يُجرِّد نفسه من الالتفات والتوجه إلى ما سوى الله جل وعلا، ويوجه حاجته إليه، وإن كانت هذه الحاجة من البر والخير فليوقن بأن هذا الدعاء يُسمع من رب العزة والجلال؛ فإما أن يُستجاب له، وإما أن يُدَّخر له في الآخرة، وإما أن يُدفع عنه سوء بقدر ما دعا، فلن يعدم شيئاً من هذه الجوائز من دعائه الذي توجه به وهو موقن مخلص لله تبارك وتعالى.
وهذا لا يتنافى مع القدر –كما ذكر السائل– بل هو من القدر، نعم؛ فإن الله تبارك وتعالى قد علم كل شيء يصدر من العباد قبل أن يفعلوه وكتب ذلك، علم ما سيختارونه وما سيأتونه من أفعال باختيارهم وإرادتهم فكتب عليهم ذلك، وأجرى الأسباب بناءً على ذلك، وأجرى المسببات بناءً على هذه الأسباب التي أخذوا بها.
فعلمه جل وعلا علم كامل لا أمد له ولا حد، وهو مطلع سبحانه على كل ما يأتي به العباد قبل أن يأتوه، فكتب ذلك عليهم لا على جهة الإلزام، وإنما على جهة انكشاف هذا المعلوم له تبارك وتعالى؛ فإذا هو من اختيار العباد وكسبهم، مما يُثابون عليه ويُؤجرون، ومما يكون في أقدارهم التي كتبها الله عز وجل لهم، بحيث إنهم لو لم يأخذوا بهذه الأسباب –ومنها الدعاء– فإن المسببات ستختلف بناء على ذلك. هذا والله تعالى أعلم.
يعني دعاؤه هو قدر، وعدم دعائه أيضاً قدر؟
قدر، نعم، لا شك.
وهذا القدر ينبغي أن يفهمه الناس: أنه هو من كشف لله تبارك وتعالى الذي لا تخفى عليه خافية، الذي يعلم الشيء قبل وقوعه، ويعلم ما يأتيه العباد قبل اتيانهم له وقبل اكتسابهم إياه، لا على جهة أن يُلزمهم هو سبحانه وتعالى بذلك، وإنما من جهة انكشاف هذه المعلومات له تبارك وتعالى وتسجيلها في صحائفهم، وتسجيلها في صحائف أقدارهم التي يقضي بها الله تبارك وتعالى.
فإذا علمه جل وعلا إنما هو بانكشاف له، وعلمه جل وعلا كامل مطلق لا يحصل بتحصيل ومجهود؛ لأنه جل وعلا متصف بالعلم، متصف بالسمع والبصر، ولا تخفى عنه خافية جل وعلا؛ فانكشاف هذا لله تبارك وتعالى ثم تسجيله إنما هو مما اختار العباد واكتسبوه بأنفسهم، بمحض إرادتهم، وبسعيهم، وبما تناولوه وعالجوه من الأسباب، هذا حتى تُفهم الصورة، ومن ذلك الدعاء، ومن ذلك سائر ما يأتونه من أفعالهم وأقوالهم. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٣/٢/٢٠٢٦👁 8 مشاهدة
🎬
#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 5 رمضان 1447 هـ
العقيدةمسائل متنوعة في الصوم
✦ فتاوى مشابهة
اليقين في الدعاء
2 👁كيف يكون اليقين في الدعاء، وكيف يكون الإنسان واثقًا من استجابة الله ومحسنًا الظن به؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٦/٥/٢٠١٨اليقين بإجابة الدعاء
4 👁هل يجب على الداعي اليقين بإجابة دعائه حين يدعو الله؟
👤ماجد بن محمد الكندي
٢٣/٣/٢٠٢٤اليقين في استجابة الدعاء
3 👁كيف يكون اليقين في الدعاء، وكيف يكون الإنسان واثقاً من استجابة الله ومحسن الظن به؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٣/٦/٢٠١٧كيفية الدعاء الصحيح
3 👁كيف ندعو الله دعاء صحيحاً حتى يستجاب لنا، وما طريقة البدء والختام في الدعاء؟
👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٩/٦/٢٠٢٦اليقين في الدعاء
2 👁كيف يكون اليقين في الدعاء وحسن الظن بالله، وكيف يثق الداعي بأن الله استجاب له؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠/١٠/٢٠٢٠شروط وآداب الدعاء
2 👁ما أسباب استجابة الدعاء والأعمال التي تقرب المرء من ربه وتجعله مطمئن القلب؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠/١٠/٢٠٢٠