⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بالنسبة للاحتفال بالمولد النبوي، وقد كثرت الأسئلة حوله: هل هو من المسائل الاجتهادية التي لا يصح فيها التشنيع؟ لا ريب أن المسألة اجتهادية، ولا ينبغي التعنيف لا من قِبَل المحتفل ضد من لا يحتفل، ولا من قِبَل من لا يحتفل ضد من يحتفل.
فلا ريب أن الناس ما كانوا يحتفلون في عهد النبوة بمولده صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا في عهد التابعين ومن بعدهم، وإنما حدثت هذه العادة بعد قرون.
ولكن مهما يكن من أمر فإننا ندرك أن الناس عندما كانوا قريبَ عهدٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا بحاجة إلى التذكير بهذه النعمة العظيمة التي أسبغها الله تعالى عليهم من خلال إرساله عليه أفضل الصلاة والسلام إليهم، وإنما كانوا يذكرون ذلك، وكانوا قريبي عهد بالينابيع الصافية، ينابيع هذا الدين، وكانوا مستمرين على النهج، ولكن بتطاول العهد وطول الزمن ربما نسي الناس ذلك، فكانوا بحاجة إلى التذكير، فلذلك حصل ما حصل من التذكير.
ولكن مهما يكن فإن هذه العادة ينبغي أن تُؤطَّر في إطار معيَّن بحيث تكون أقرب إلى الغاية التي بُعث من أجلها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي إرشاد الناس وتبصيرهم بأمر دينهم، وتذكيرهم بنعمة ربهم سبحانه وتعالى عليهم، وتعريفهم بالواجب الذي يجب عليهم أن يقوموا به.
فلذلك نحن نرى أن قراءة كتاب معيَّن على أنه كلام مقدَّس لا ينبغي ذلك؛ لأنه لا تقديس إلا لكلام الله سبحانه وتعالى؛ قداسة لكلام الله، ولا يُتبرَّك إلا بكلام الله. حتى بالنسبة إلى كلام النبي صلى الله عليه وسلم فنحن نقرأ أحاديثه صلى الله عليه وسلم من أجل الاهتداء بها، لا لأجل التبرك بتلاوة ألفاظها، بخلاف القرآن الكريم؛ فإننا نقرأه من أجل الاهتداء به، ونقرأه من أجل أننا نتبرَّك به؛ فإن الأعجمي الذي لا يعرف من معاني القرآن شيئًا، أو عاميًّا جاهلًا ولو كان عربيًّا وهو لا يعرف من معاني القرآن شيئًا، عندما يقرأ القرآن من أجل التعبُّد فإنه يكون مأجورًا على هذه القراءة إن شاء الله تعالى، بخلاف غيره؛ فغير كلام الله سبحانه وتعالى –ولو كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم– إنما يُتلى لأجل الاطلاع على ما فيه من هداية، وعلى ما فيه من تذكير، وعلى ما فيه من خير، وهكذا كلام غيره من الناس.
فلذلك لا تُطْفَى صفة القداسة التي في القرآن الكريم على كلام أي أحد من الناس.
ومع هذا فإنه ينبغي أن يكون هناك اعتناء بربط هذه المناسبة بواقع الناس؛ فلربما غفل الناس عن حقيقة حب النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يُحَبُّ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيُذكَر الناس بأن حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يرجع أولًا إلى مكانته عليه أفضل الصلاة والسلام؛ لأنه يفوق الناس جميعًا، ومن شأن الإنسان عندما يرى غيره يفوقه أن يحبَّه لمهارته، أو يحبَّه لكونه متفوِّقًا على غيره.
ثم مع هذا: النبي صلى الله عليه وسلم أنقذ الناس من الضلال، بإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن الاعوجاج إلى الاستقامة؛ فهو يأخذ بحُجَزِهم عن النار، أي يحرص على أن يُحوِّل بينهم وبين الوقوع في النار بالقبض عليهم وإنقاذهم من النار؛ فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الحالة، وهو كما وصفه الله تعالى رؤوف رحيم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ، حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فإنه يجب أن نُحِبَّه.
ولذلك كان حبُّه صلى الله عليه وسلم يجب أن يفوق على حب الناس أجمعين؛ فهو عليه أفضل الصلاة والسلام يقول: «ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار»، ويقول: «لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين»، ويقول: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والدِه وولدِه».
فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الحالة، وحبُّه هكذا يجب على الناس جميعًا، فلا ريب أن الناس عليهم أن يرتبطوا بحبه صلى الله عليه وسلم، وأن يعرفوا ما هي مكامن حبِّه، وأن يعرفوا ما هي أسباب حبِّه، وأن يدركوا أن هذا الحب ليس هو حبًّا عاطفيًّا فقط لا يكاد يثور حتى يغور، ولا يكاد يتقد حتى يخمد، وإنما هو حبُّ عقيدة؛ تستمر هذه العقيدة في النفس، وتأخذ بمجامع العقل والفكر حتى تُبصِّر الإنسان بالحقيقة، وتعرِّفه بالواجب، فيكون مخلصًا لله سبحانه وتعالى، ومطيعًا له ولرسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.
وهكذا عندما يكون الناس بعيدين عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يُذكَّروا من خلال هذه المناسبة بما يجب عليهم من اتباع هديه في كل دقيقة وجليلة.