⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فلا ريب أن الابتعاد عن الله سبحانه وتعالى، والصد عن كتابه الكريم، والإعراض عن ذكره الحكيم، والتعلق بغيره، وعدم التوكل عليه، كل من ذلك يؤثر أثراً بالغاً في نفس الإنسان.
فنحن نجد أن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124]، فمن أعرض عن ذكر الله سبحانه وتعالى أصبح في ضنك من العيش، وأصبح في ضيق من الحياة، وأصبح في همٍّ ينوء بأوْزَاره، ولا يعرف له حدوداً.
ومن المعلوم أن الحياة الدنيا هي ليست كل شيء، فالله سبحانه وتعالى بسط في هذه الحياة لأعدائه كما بسط لأوليائه، كما قال تعالى: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: 20]، فعطاء الله تعالى في الدنيا ليس محصوراً في المؤمنين دون الكافرين، وفي الأتقياء دون الأشقياء، بل هو شامل للبر والفَجَرة.
إلا أن نظرة البَرِّ إلى هذه الحياة تختلف عن نظرة الفاجر؛ فالبَرُّ ينظر إلى هذه الحياة أنها وسيلة وليست غاية، وأنها مَعْبَر وليست قَراراً؛ فالحياة الدنيا التي يعيشها الإنسان إنما هي جسر يعبره الإنسان ليصل إلى الحياة الأخرى، إلى الدار الآخرة، فمن هنا يكون التعلق بالدار الآخرة؛ فمهما ضاقت به الدنيا أو كابد أَواء الحياة أو مشقة الحياة، فإن النفس تبقى متعلقة بالدار الآخرة، ولا تنظر إلى هذه الحياة الدنيا.
ومن هنا كان الله سبحانه وتعالى يبيِّن أن أولئك الذين هم المقربون إليه، الفائزون بالزلفى في الدار الآخرة، إنما أولئك الذين يكون همهم في الآخرة، ولا يكون همهم في هذه الحياة الدنيا؛ فنحن نرى أن الله تعالى يقول: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]، ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلًّا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 18-20]، ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُو۟لَٰٓئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ﴾ [هود: 15-16]. فالله سبحانه وتعالى يبين مصير هؤلاء وهؤلاء في الدار الآخرة.
كذلك يقول عز من قائل: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا * فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 37-41].
فالإنسان الذي يفقد الإيمان لا تشبع من معدته الجائعة شيء من هذه الدنيا، فكلما أخذ حظاً منها طلب المزيد، فهو مثل العطشان الذي يشرب الماء المالح فلا يزيده إلا عطشاً، بخلاف الذي يتعلق بالدار الآخرة، من أجل ذلك يكون التفاوت بين هؤلاء وهؤلاء.
على أن المؤمن الموصول بالله سبحانه وتعالى تشغله عن هموم الدنيا شواغل كثيرة؛ منها نفس الذكر والتعلق بالله سبحانه وتعالى؛ ويصلي صلاة من ينادي ربه كأنما يراه بعينيه، ويحس أنه إن لم يكن يرى ربه فإن الله تعالى هو يراه، فلذلك يقف بين يدي الله تعالى وقفة الخاشع الماثل بين يدي الله، وكل كلمة من الكلمات التي يأتي بها في صلاته تسكب في نفسه شعوراً عظيماً، هذا الشعور يحرره من التعلق بهذه الدنيا، ويصله بالله سبحانه وتعالى، ويفتح له الآفاق؛ فهو لا يعيش منحصراً في عالم الملك، وإنما ينطلق في عالم الملكوت، فلذلك تختلف أحوال هؤلاء وهؤلاء، والله تعالى المستعان.