⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب: الناس لا يكونون على وتيرة واحدة، سواء البَرَرة أو الفَجرة؛ منهم من البَرَرة من يعيش في ضيق، ويعيش في همٍّ لسبب أو لآخر؛ قد يكون عيشه في الهم لأن الأحوال والظروف تُعاكِسه، وهو يطلب أمراً لا يصل إليه.
المؤمن البَرُّ التقي لا ريب أنه يريد أن يكون جميع الناس بَرَرة، ويريد أن ينجح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، ويتطلع إلى أن يتحوَّل الناس من الكفر إلى الإيمان، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن الفجور إلى البر، وعندما تُعاكِسه الأحوال لا ريب أنه يتأثَّر، قد يحزن.
والله تبارك وتعالى وصف بالحُزن الرسولَ صلى الله عليه وسلم، وعاتبه عتاباً لطيفاً جميلاً، قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3]، وقال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33] إلى آخره؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم مع كونه على رأس هَرَم الإيمان، وإمام المؤمنين جميعاً، ولكن يتعرَّض للحزن من مضايقة قومه، ومن إعراضهم عن الإيمان به، ومن صَدِّهم عنه، وهكذا شأن المؤمن.
المؤمن له طموحات في هذه الحياة؛ يريد أن يتغلَّب الحق على الباطل، وأن يظهر العدل على الجور، وأن يظهر الصلاح على الفساد، وأن يظهر الإيمان على الكفر، وعندما تُعاكِسه الأيام، وتجري صروف الدهر على غير ما يتمناه يتأثَّر، نعم، ولكن بطبيعة الحال مهما كان من أمر، فإن صلته بالله سبحانه وتعالى تشرح صدره، وتجعله لا يكون الضيقُ يؤدي به إلى اليأس؛ لأنه ينظر نظرة بعيدة المَدَى.
وهذا ما علَّمنا إياه القرآن الكريم؛ فالقرآن الكريم علَّمنا أن الرسل الذين هم أرسخ الناس إيماناً، وأقواهم يقيناً، وأمضى عزيمةً، وأشدهم شكيمةً، هؤلاء الرسل مع هذه الخصائص التي اختُصُّوا بها يصل بهم الأمر إلى مشرف اليأس، قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: 109-110].
فالمؤمن مهما عاكسته الأيام ينظر هذه النظرة: بأنَّه عندما يشتد الأمر، ويتفاقم، ويصل الأمر إلى مشارف اليأس، عندئذٍ يأتي اللطف الإلهي، واللطف الإلهي هو الذي يفرِّج أزمته، ويُنفِّس كربته، ويُسَلِّي همومه، فلذلك يبقى على صِلَةٍ بالله سبحانه وتعالى.
لكن لا يُقال بأن كل مَن أُصيب برزية، أو أن كل مَن أُصيب بهموم، وتحمَّل أعباء هذه الهموم وأوزارها هو ممن لم يشرح الله صدره للإيمان، أو هو معرض عن ذكر الله؛ هناك من هم دائبون على ذكر الله، ولكن كما يُقال: إذا عَظُم المطلوبُ قلَّ المساعد.